الطبراني

167

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وسئل أبو الحسن علي بن عبد الرحيم : من أشكر الشاكرين ؟ فقال : الطاهر من الذنوب يعدّ نفسه من المذنبين ؛ والمجتهد بعد أداء الفرائض يعدّ نفسه من المقصّرين ؛ والراضي من الدنيا بالقليل يعدّ نفسه من الراغبين ؛ والقاطع بذكر اللّه دهره يعدّ نفسه من الغافلين ؛ هذا أشكر الشاكرين . وقوله عزّ وجلّ : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) قال مجاهد والفرّاء : ( هما شيء واحد يعني التّوراة ؛ وما يفرّق به بين الحقّ والباطل ) . وقد سمّى اللّه تعالى التوراة فرقانا في موضع آخر وهو قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً « 1 » ، وسمّى اللّه النّصرة يوم بدر على الكفار فرقانا كما قال : وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ « 2 » أراد به يوم بدر ؛ وإنّما عطف الشيء على نفسه وكرّره ؛ لأن العرب تكرّر الشيء إذا اختلف ألفاظه ، قال عنترة « 3 » : حيّيت من ظلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم وقال الكسائيّ : الفرقان : بعث الكتاب ؛ يريد : ( وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ ) . والفرقان : فرق بين الحلال والحرام ؛ والكفر والإيمان ؛ والوعد والوعيد ، فزيدت الواو فيه كما تزاد في النعوت ؛ من قولهم : فلان حسن وطويل . ودليل هذا التأويل : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ « 4 » . وقال قطرب : ( أراد بالفرقان : القرآن ) . وفي الآية إضمار معناه : وإذا آتينا موسى الكتاب ومحمّدا الفرقان . قوله تعالى : ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أي بهذين الكتابين ، وقال بعضهم : أراد بالفرقان انفراق البحر وهو من عظيم الآيات ، يدلّ عليه قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ .

--> ( 1 ) الأنبياء / 48 . ( 2 ) الأنفال / 41 . ( 3 ) عنترة بن شدّاد العبسيّ : أشهر فرسان العرب في الجاهلية ، ومن شعراء الطبقة الأولى من أهل نجد ، أمه حبشية ، وكان من أحسن العرب شيمة ، ومن أعزهم نفسا ، يوصف بالحلم على شدة بطشه ، وفي شعره رقة وعذوبة ، قتل سنة ( 22 ) قبل الهجرة . ( 4 ) الأنعام / 154 .