الطبراني
162
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقوله عزّ وجلّ : ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ) أي يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه ؛ وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا . فصنف يبنون ؛ وصنف يحرثون ويزرعون ؛ وصنف يخدمونه ، ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال فعليه الجزية ، فذلك سوء العذاب . وقيل : إنّهم كلّفوا الأعمال القذرة . وقيل : تفسيره ما بعده : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ؛ وقرأ ابن محيص : يذبحون بالتخفيف . ومن قرأ بالتشديد فعلى التكثير ؛ وذلك أن فرعون رأى في منامه نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل . فسأل الكهنة ، فقالوا : يولد في بني إسرائيل غلام ؛ يكون هلاكك على يديه . فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل ؛ وترك كل أنثى ؛ ففعلوا ذلك . وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل ؛ فقال القبط لفرعون : إن الموت وقع في مشيخة بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم فيوشك أن يقع العمل علينا ؛ فأمروا أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة ؛ فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها ؛ فترك . وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها . قوله : ( وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) أي يتركوهنّ أحياء فلا يذبحوهن بل يستخدموهن . وقيل : معناه يستحيون من الحياء الذي هو الرّحم ؛ فإن القوم كانوا ينظرون إلى فروج نساء بني إسرائيل فيعلموا هل هنّ حبّل أم لا ! ! قوله : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) ؛ يعني في سومهم إياكم سوء العذاب محنة وفتنة عظيمة . وقيل : معناه : وفي إنجاء آبائكم منهم نعمة عظيمة . والبلاء ينصرف على وجهين : النعمة والمحنة . قال اللّه تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « 1 » . وقوله عزّ وجلّ : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ ، وذلك أنه لمّا دنا هلاك فرعون أمر اللّه موسى أن يسري ببني إسرائيل من مصر ؛ فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصّبح . وألقى اللّه على القبط الموت ؛ فاشتغلوا بدفنهم ، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا سوى الذّرية . وكان موسى على ساقتهم
--> ( 1 ) الأنبياء / 35 .