الطبراني
134
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : ( وَيَمُدُّهُمْ فِي ) أي يمهلهم ويتركهم في ضلالتهم يتحيّرون ؛ يقال : مدّ في الشّرّ ؛ ويمدّ في الخير ؛ وقال يونس : ( المدّ التّرك ؛ والإمداد في معنى الإعطاء ) . وقيل : مدّه وأمدّه بمعنى واحد . وقال الأخفش : ( وَيَمُدُّهُمْ ) أي يمدّ لهم ؛ فحذف اللّام ) . والطغيان : مجاوزة الحدّ ؛ يقال : طغى الماء إذا جاوز حدّه ؛ وقيل لفرعون : إِنَّهُ طَغى « 1 » أي أسرف في الدعوى حيث قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى « 2 » . وقرأ ابن محيصن : ( ويمدّهم ) بضم الياء وكسر الميم ؛ وهما لغتان . إلا أن المدّ أكثر ما يجيئ في الشرّ ، قال اللّه تعالى : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا « 3 » ، والإمداد في الخير قال اللّه تعالى : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ « 4 » ، وقال تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ « 5 » . وقيل : معنى ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) أي يونجهم ويغبيهم ويجهّلهم . وقيل : معناه : اللّه يظهر المؤمنين على نفاقهم . وقال ابن عبّاس : ( هو أن يطلع اللّه المؤمنين يوم القيامة وهم في الجنّة على المنافقين وهم في النّار ، فيقولون لهم : أتحبّون أن تدخلوا الجنّة ؟ فيقولون : نعم ، فيفتح لهم باب إلى الجنّة ويقال لهم : ادخلوا ، فيأتون يتقلّبون في النّار ، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عليهم وردّوا إلى النّار ؛ ويضحك المؤمنون منهم . فذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ . وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ . وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ . وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ . فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) « 6 » . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : [ يؤمر بناس من المنافقين إلى الجنّة حتّى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى ما أعدّ اللّه لأهلها من الكرامة ، نودوا أن اصرفوهم عنها ؛ فيرجعون بحسرة وندامة لم ترجع الخلائق بمثلها ؛ فيقولون : يا ربّنا لو أدخلتنا النّار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا ؟ فيقول اللّه تعالى : هذا الّذي أردت بكم ؛ هبتم النّاس ولم تهابوني ؛ أجللتم النّاس ولم تجلّوني ؛ كنتم تراءون
--> ( 1 ) طه / 24 . ( 2 ) النازعات / 24 . ( 3 ) مريم / 79 . ( 4 ) نوح / 12 . ( 5 ) المؤمنون / 55 . ( 6 ) المطففين / 29 - 34 .