الطبراني

131

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وفي قوله : ( يكذبون ) خلاف بين القرّاء ، فقرأ أهل الكوفة بفتح الياء وتخفيف الذّال ؛ أي بكذبهم إذ قالوا : آمنّا ، وهم غير مؤمنين « 1 » . قوله عزّ وجلّ : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ؛ قرأ الكسائيّ ؛ ويعقوب ؛ وهشام : قيل وحيل « 2 » ، وسيق « 3 » ، وجئ ، وسئ « 4 » بإشمام الضمّة « 5 » . ومعنى الآية : وإذا قيل للمنافقين وقيل لليهود ؛ أي إذا قال لهم المؤمنون : لا تفسدوا في الأرض بالكفر والمعصية والمداهنة وتعويق النّاس عن الإيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن ، قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) ؛ أي عاملون بالطّاعة ومصلحون بالمداهنة ؛ لأنّهم كانوا يقولون : لا نعادي المؤمنين ولا الكفار ؛ نداري هؤلاء وهؤلاء ؛ حتى إذا غلب أحد الفريقين لا يأتينا من دائرتهم شيء « 6 » . يقول اللّه تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ، ( ألا ) كلمة تنبيه ، والمعنى : ألا إنّهم هم المفسدون بالمداهنة والعاملون بالمعصية ، وقوله تعالى : ( هم ) عماد وتأكيد . قوله تعالى : وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) ؛ أي لا يعلمون ما أعدّ اللّه لهم من العذاب . وقيل : لا يعلمون أنّهم كذلك . قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ؛ أي إذا قيل للمنافقين : صدّقوا كما صدّق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ؛ أي أنصدّق كما صدّق الجهّال ، يقول اللّه تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ

--> ( 1 ) وقرأ أهل المدينة : ( يكذّبون ) بضم الياء وتشديد الذال ، والإجماع منعقد على القراءة الأولى ، فضلا عن أن القراءة الثانية لا تتفق والقراءة من قوله تعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ المنافقون : 1 - 2 ] فإنه سبحانه وتعالى قرر كذبهم ، ليس لأجل تكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهم يكذبون بدعواهم الإيمان وإظهارهم ذلك خداعا . ( 2 ) سبأ / 54 . ( 3 ) الزمر / 71 . ( 4 ) هود / 77 . ( 5 ) سيأتي معنى الإشمام في تفسير قوله تعالى : لا تَأْمَنَّا [ يوسف : 11 ] إن شاء اللّه . ( 6 ) الفساد خروج الشيء عن الاعتدال ، قليلا كان الخروج أو كثيرا ، ويضادّه الإصلاح ، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدّها . ويستعمل ذلك في النفس ، والبدن ، والأشياء الخارجة عن الاستقامة . والإفساد هو جعل الشيء خارجا عما ينبغي أن يكون عليه ، وعن كونه منتفعا به . وفي الحقيقة هو إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح .