الطبراني
129
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
متمسّكين بديننا ؛ فقال اللّه عزّ وجلّ : ( وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) وإنّما وحّد في أوّل الآية وجمع الضمير في آخرها ؛ لأنّ لفظ ( من ) للوحدان ، ومعناه يصلح للمذكّر والمؤنّث ؛ والاثنين والجماعة ؛ فعدل تارة إلى اللّفظ وتارة للمعنى ؛ ومنه قوله تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ الآية « 1 » ، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ « 2 » الآية . قوله عزّ وجلّ : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ؛ أي يخالفون اللّه ويكذبونه ويكذبون المؤمنين . ويخالفونهم في ضمائرهم وهم المنافقون . وأصل الخدع في اللغة الاختفاء ؛ ومنه قيل للبيت الذي يخبّأ فيه المتاع : مخدع ؛ فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر . وقال بعضهم : أصل الخداع في اللغة : الفساد . وقال الشاعر « 3 » : أبيض اللّون لذيذ طعمه * طيّب الرّيق إذا الرّيق خدع أي فسد ، فيكون المعنى : مفسدون ما أظهروا بألسنتهم مما أضمروا في قلوبهم . وقيل : معناه : يخادعون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كقوله تعالى : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ « 4 » أي آسفوا نبيّنا . وقوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ « 5 » أي أولياء اللّه ؛ لأنّ اللّه تعالى لا يؤذى ولا يخادع . وقد يكون المفاعلة من واحد كالمسافرة . فإن قيل : ما وجه مخادعتهم اللّه ؛ وهو لا يخفى عليه شيء ؟ وما وجه مخادعة المؤمنين ومخادعة أنفسهم ؟ قيل : المخادعة الإخفاء ، يقال : انخدعت الضّبية في جحرها . واللّه تعالى لا يخادع في الحقيقة ، ولكن أطلق عليه اسم المخادعة لمّا فعلوا فعل المخادعين . ولو كان يصحّ لهم خداعهم لقال : يخدعون اللّه . وقيل : معناه : يخادعون رسول اللّه . وأما مخادعة المؤمنين ؛ فإظهارهم لهم الإسلام تقية ؛ وقيل : إظهار الإسلام لهم ليكرموهم ويبجّلوهم . وقيل : أظهروا لهم ذلك ليفشوا إليهم سرّهم فينقلوه إلى
--> ( 1 ) البقرة : 112 : . . وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . ( 2 ) الأحزاب : 31 . ( 3 ) البيت لسويد بن أبي كاهل في ديوانه : ص 24 ، يصف تغر امرأة ، وفيه معنى خدع : فسد وتغيّر . ( 4 ) الزخرف : 55 . ( 5 ) الأحزاب : 58 .