الأخفش
90
معاني القرآن
باب من الاستثناء ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتب إلّا أمانىّ [ الآية : 78 ] منصوبة لأنه مستثنى ليس من أول الكلام ، وهذا الذي يجيء في معنى « لكن » خارجا من أول الكلام إنما يريد « لكن أمانيّ » و « لكنّهم يتمنّون » . وإنما فسرناه ب « لكن » لنبين خروجه من الأول . ألا ترى أنك إذا ذكرت « لكن » وجدت الكلام منقطعا من أوله ، ومثل ذلك في القرآن كثير منه قوله عزّ وجل وما لأحد عنده من نّعمة تجزى ( 19 ) [ الليل : 19 ] إلّا ابتغاء وجه ربّه [ الليل : الآية 20 ] وقال ما لهم به من علم إلّا اتّباع الظّنّ [ النّساء : الآية 157 ] وقال فلو لا كان من القرون من قبلكم أولو بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلّا قليلا [ هود : 116 ] يقول : « فهلّا كان منهم من ينهى » ثم قال : « ولكن قليلا منهم من ينهى » ثم قال « ولكن قليل منهم قد نهوا » ، فلما جاء مستثنى خارجا من الأول انتصب . ومثله فلو لا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمنها إلّا قوم يونس [ يونس : الآية 98 ] يقول « فهلا كانت » ثم قال : « ولكنّ قوم يونس » ف « إلا » تجيء في معنى « لكنّ » . وإذا عرفت أنها في معنى « لكن » فينبغي أن تعرف خروجها من أوله . وقد يكون إلّا قوم يونس [ يونس : الآية 98 ] رفعا ، تجعل « إلّا » وما بعده في موضع صفة بمنزلة « غير » كأنه قال : « فهلا كانت قرية آمنت غير قرية قوم يونس » ومثلها لو كان فيهما ءالهة إلّا اللّه لفسدتا [ الأنبياء : الآية 22 ] فقوله إلّا اللّه [ البقرة : الآية 83 ] صفة ولولا ذلك لانتصب لأنه مستثنى مقدم يجوز إلقاؤه من الكلام . وكل مستثنى مقدم يجوز إلقاؤه من الكلام نصب ، وهذا قد يجوز إلقاؤه فلو قلت : « لو كان فيهما آلهة لفسدتا » جاز ، فقد يجوز فيه النصب ويكون مثل قوله : « ما مرّ بي أحد إلّا زيدا مثلك » . قال الشاعر فيما هو صفة : [ الطويل ] 94 - أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الأصوات إلّا بغامها « 1 » وقال : [ الوافر ]
--> ( 1 ) البيت لذي الرمة في ديوانه ص 1004 ، وخزانة الأدب 3 / 418 ، 420 ، والدرر 3 / 168 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 242 ، والكتاب 2 / 332 ، ولسان العرب ( بلد ) ، و ( بغم ) ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 1 / 234 ، وشرح شواهد المغني 1 / 218 ، 394 ، وهمع الهوامع 1 / 229 ، وكتاب العين 8 / 42 .