الأخفش

39

معاني القرآن

إذا قلت « غسلته غسلا نعمّا » فإنما تريد المبالغة والجودة . فاستغني بهذا حتى تكلم به وحده . ومثل « ما أحسن زيدا » « ما » هاهنا وحدها اسم . وقوله « إني مما ان أصنع كذا وكذا » « ما » هاهنا وحدها اسم كأنه قال : « إنّي من الأمر » أو « من أمري صنيعي كذا وكذا » . ومما جاء على المعنى قوله كمثل الذي استوقد نارا أضاءت ما حوله ذهب اللّه بنورهم [ الآية 17 ] لأن « الذي » يكون للجميع ، كما قال والّذى جاء بالصّدق وصدّق به أولئك هم المتّقون ( 33 ) [ الزّمر : الآية 33 ] . وأما قوله يخدعون اللّه والّذين ءامنوا [ الآية 9 ] ولا تكون المفاعلة إلا من شيئين فإنه إنمّا يقول : « يخدعون اللّه » [ الآية 9 ] عند أنفسهم يمنونها أن لا يعاقبوا وقد علموا خلاف ذلك في أنفسهم » ذلك لحجة اللّه الواقعة على خلقه بمعرفته . وما يخدعون إلّا أنفسهم [ الآية 9 ] وقال بعضهم : « يخادعون » يقول : « يخدعون أنفسهم بالمخادعة لها » وبها نقرأ . وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة تقول : « باعدته مباعدة » و « جاوزته مجاوزة » في أشياء كثيرة . وقد قال وهو خدعهم [ النّساء : الآية 142 ] فذا على الجواب . يقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به « أنا الذي خدعتك » ولم تكن منه خديعة ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه . وكذلك ومكروا ومكر اللّه [ آل عمران : الآية 54 ] واللّه يستهزئ بهم [ الآية 15 ] على الجواب . واللّه لا يكون منه المكر والهزء . والمعنى أن المكر حاق بهم والهزء صار بهم . وأما قوله فزادهم اللّه مرضا [ الآية 10 ] فمن فخم نصب الزاي فقال « زادهم » ومن كسر الزاي فقال « زادهم » لأنها من « زدت » أولها مكسور . فناس من العرب يميلون ما كان من هذا النحو وهم بعض أهل الحجاز ويقولون أيضا ولمن خاف مقام ربّه [ الرّحمن : الآية 46 ] وفانكحوا ما طاب لكم مّن النّساء [ النّساء : الآية 3 ] وو قد خاب [ طه : الآية 61 ] ولا يقولون « قال » ولا « زار » لأنه يقول « قلت » و « زرت » فأوله مضموم . فإنما يفعلون هذا في ما كان أوله من « فعلت » مكسورا إلّا أنّهم ينحون الكسرة كما ينحون الياء في قوله وسقهم ربّهم [ الإنسان : الآية 21 ] وقد أفلح من زكّها ( 9 ) [ الشّمس : الآية 9 ] . ويقرأ جميع ذلك بالتفخيم . وما كان من نحو هذا من بنات الواو وكان ثالثا نحو والقمر إذا تلها ( 2 ) [ الشّمس : الآية 2 ] ونحو والأرض وما طحها ( 6 ) [ الشّمس : الآية 6 ] فإن كثيرا من العرب يفخمه ولا يميله لأنها ليست بياء فتميل إليها لأنها من « طحوت » و « تلوت » . فإذا كانت رابعة فصاعدا أمالوا وكانت الإمالة هي الوجه ، لأنها حينئذ قد انقلبت إلى الياء . ألا ترى أنك