الأخفش
27
معاني القرآن
وقالوا : إن قوله كهيعص ( 1 ) [ مريم : الآية 1 ] « كاف هاد عالم صادق » فأظهر من كل اسم منها حرفا ليستدل به عليها . فهذا يدل على أن الوجه الأول لا يكون إلا وله معنى ، لأنه يريد معنى الحروف . ولم ينصبوا من هذه الحروف شيئا غير ما ذكرت لك ، لأن ألم [ الآية 1 ] وطسم ( 1 ) [ الشّعراء : الآية 1 ] وكهيعص ( 1 ) [ مريم : الآية 1 ] ليست مثل شيء من الأسماء ، وإنما هي حروف مقطعة . وقال : ألم [ الآية 1 ] اللّه لا إله إلّا هو [ البقرة : الآية 255 ] فالميم مفتوحة لأنها لقيها حرف ساكن فلم يكن من حركتها بد . فإن قيل : « فهلا حركت بالجر » ؟ فإن هذا لا يلزم فيها وإنما أرادوا الحركة ، فإذا حركوها بأي حركة كانت فقد وصلوا إلى الكلام بها ، ولو كانت كسرت لجاز ولا أعلمها إلا لغة . وقال بعضهم : « فتحوا الحروف التي للهجاء إذا لقيها الساكن ليفصلوا بينها وبين غيرها » . وقالوا : « من الرجل » ففتحوا لاجتماع الساكنين . ويقولون : « هل الرجل » و « بل الرجل » وليس بين هذين وبين « من الرجل » فرق ، إلا أنهم قد فتحوا « من الرجل » لئلا تجتمع كسرتان ، وكسروا إذ الظّلمون [ الأنعام : الآية 93 ] . وقد اجتمعت كسرتان لأن « من » أكثر استعمالا في كلامهم من « إذ » ، فأدخلوها الفتح ليخف عليهم . وإن شئت قلت « ألم » حروف منفصل بعضها من بعض ، لأنه ليس فيها حرف عطف ، وهي أيضا منفصلة مما بعدها ، فالأصل فيها أن تقول « ألم اللّه » فتقطع ألف « اللّه » إذا كان ما قبله منفصلا منه كما قلت « واحد ، اثنان » فقطعت . وكما قرأ القراء نون والقلم [ القلم : 1 ] فبينوا النون لأنها منفصلة . ولو كانت غير منفصلة لم تبين إلا أن يلقاها أحد الحروف الستة . ألا ترى أنك تقول : « خذه من زيد » و « خذه من عمرو » فتبين النون في « عمرو » ولا تبين في « زيد » . فلما كانت ميم ساكنة وبعدها حرف مقطوع مفتوح جاز أن تحرك الميم بفتحة الألف وتحذف الألف في لغة من قال « من أبوك » فلا تقطع . وقد جعل قوم ( نون ) بمنزلة المدرج فقالوا « نون والقلم » فأثبتوا النون ولم يبينوها . وقالوا يس والقرآن [ يس : 1 - 2 ] فلم يبينوا أيضا . وليست هذه النون هاهنا بمنزلة قوله كهيعص ( 1 ) [ مريم : الآية 1 ] وطس تلك [ النّمل : الآية 1 ] وحم عسق [ الشورى : 1 ] فهذه النونات لا تبين في القراءة في قراءة أحد ، لأن النون قريبة من الصاد ، لأن الصاد والنون من مخرج طرف اللسان . وكذلك التاء والسين في طس تلك [ النّمل : الآية 1 ] وفي حم عسق [ الشورى : 1 ] ، فلذلك لم تبين النون إذ قربن منها . وتبينت النون في