يحيى بن زياد الفراء

5

معاني القرآن

الإنسان ثم استثنى من الإنسان لأنه في معنى الناس ، كما قال تبارك وتعالى : ( وَالْعَصْرِ « 1 » إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) فاستثنى كثيرا من لفظ واحد ؛ لأنه تأويل جماع . وقوله - عزّ وجلّ - : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [ 12 ] . يقول : يضيق صدرك بما نوحيه إليك فلا تلقيه إليهم مخافة أن يقولوا : لولا أنزل عليك كنز . فإن في قوله : ( أَنْ يَقُولُوا ) دليل على ذلك . وهي بمنزلة قوله : ( يُبَيِّنُ « 2 » اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) و ( من ) تحسن فيها ثم تلقى ، فتكون في موضع نصب ؛ كما قال - عزّ وجل : ( يَجْعَلُونَ « 3 » أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ) ألا ترى أن ( من ) تحسن في الحذر ، فإذا ألقيت انتصب بالفعل لا بإلقاء ( من ) كقول الشاعر « 4 » : وأغفر عوراء الكريم اصطناعه * وأعرض عن ذات اللّئيم تكرّما وقوله : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ 13 ] ثم قال جلّ ذكره : ( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ) [ 14 ] ولم يقل : لك وقد قال في أوّل الكلام ( قل ) ولم يقل : قولوا وهو بمنزلة قوله : ( عَلى « 5 » خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ ) . وقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها [ 15 ] ثم قال : ( نُوَفِّ ) لأن المعنى فيها بعد كان . وكان « 6 » قد يبطل في المعنى ؛ لأن القائل يقول : إن كنت تعطيني سألتك ، فيكون كقولك : إن

--> ( 1 ) في أول سورة العصر . ( 2 ) خاتمة سورة النساء . ( 3 ) الآية 19 سورة البقرة . ( 4 ) هو حاتم الطائي . وهو من قصيدة يتمدح فيها بمكارم الأخلاق . وقوله : « اصطناعه » فالرواية المشهورة : « ادخاره » والعوراء الكلمة القبيحة . وانظر الخزانة في الشاهد التاسع والسبعين بعد المائة . ( 5 ) الآية 83 سورة يونس . وهو يريد بالتمثيل أنه إذا أسند إلى الرئيس فعل ذهب الوهم إلى من معه . وانظر ص 476 ج 1 من هذا الكتاب . ( 6 ) في ا : « كأن كان » يريد أن ( كان ) في الآية في حكم المزيدة ، فكأن فعل الشرط ( يريد ) فهو مضارع كالجواب فقد توافقا من هذه الجهة .