يحيى بن زياد الفراء
مقدمة 9
معاني القرآن
وكان الفرّاء قوىّ الحفظ ، لا يكتب ما يتلقاه عن الشيوخ استغناء بحفظه . ويقول هنّاد بن السرىّ « 1 » : « كان الفرّاء يطوّف معنا على الشيوخ ، فما رأيناه أثبت سوداء في بيضاء قط ، لكنه إذا مرّ له حديث فيه شئ من التفسير أو متعلّق بشيء من اللغة قال للشيخ : أعده علىّ . وظننّا أنه كان يحفظ ما يحتاج إليه » . وبقيت له قوّة الحفظ طوال حياته ، وكان يملى كتبه من غير نسخة ، ولم يقتن كتبا كثيرة . ويقول ثعلب : « لما مات الفرّاء لم يوجد له إلا رؤوس أسفاط فيها مسائل تذكرة وأبيات شعر » . والأسفاط جمع السّفط وهو ما يوضع فيه الطّيب وغيره ، وهو المعروف بالسّبت . وقد بلغ الفرّاء في العلم المكانة السامية والغاية التي لا بعدها ، وكان زعيم الكوفيين بعد الكسائي . ويقول ثعلب : « لولا الفرّاء لما كانت عربيّة ؛ لأنه خلّصها وضبطها . ولولا الفرّاء لسقطت العربيّة ؛ لأنها كانت تتنازع ويدّعيها كلّ من أراد ، ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب » . وفي تاريخ بغداد : « وكان يقال : النحو الفرّاء ، والفرّاء أمير المؤمنين في النحو » . ويبين عن مبلغه في العلم قصة ثمامة بن الأشرس المعتزلي ، فقد كان الفرّاء يتردّد على باب المأمون حتى لقيه ثمامة ، وهنا يقول هذا الرجل عن الفرّاء « 2 » : « فرأيت أبّهة أديب ، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا ، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ، وبالنحو ماهرا ، وبالطب خبيرا ، وبأيام العرب وأشعارها حاذقا . فقلت :
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 14 / 152 . ( 2 ) ابن خلكان 5 : 225 ( طبعة مكتبة النهضة 1949 ) .