يحيى بن زياد الفراء
55
معاني القرآن
وقوله : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ . . . ( 89 ) [ إن شئت ] رفعت المصدّق ونويت أن يكون نعتا للكتاب لأنّه نكرة ، ولو نصبته على أن تجعل المصدّق فعلا للكتاب لكان صوابا « 1 » . وفي قراءة عبد اللّه في آل عمران : « ثمّ جاءكم رسول مصدّقا » « 2 » فجعله فعلا . وإذا كانت النكرة قد وصلت بشيء سوى نعتها ثم جاء النّعت ، فالنّصب على الفعل أمكن منه إذا كانت نكرة غير موصولة ، وذلك لأنّ صلة النكرة تصير كالموقّتة لها ، ألا ترى أنك إذا قلت : مررت برجل في دارك ، أو بعبد لك في دارك ، فكأنّك قلت : بعبدك أو بساس دابّتك ، فقس على هذا ؛ وقد قال بعض الشعراء : لو كان حىّ ناجيا لنجا * من يومه المزلّم الأعصم « 3 » فنصب ولم يصل النّكرة بشيء وهو جائز . فأما قوله : « وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا » « 4 » فإنّ نصب اللّسان على وجهين ؛ أحدهما أن تضمر شيئا يقع عليه المصدّق ، كأنك قلت : وهذا يصدّق التوراة والإنجيل « لِساناً عَرَبِيًّا » ( لأنّ التوراة والإنجيل لم يكونا عربيّين ) « 5 » فصار اللسان العربىّ « 6 » مفسّرا . وأما الوجه الآخر فعلى ما فسّرت « 7 »
--> ( 1 ) يريد المؤلف أنه حال من كتاب ، وجاز ذلك لأنه قد تخصص بالوصف فقرب من المعرفة . وفي ج ، ش : « لأنه نعت للكتاب وهما جميعا نكرتان كان صوابا » . ( 2 ) « مصدقا » بالنصب قراءة شاذة ، وحسن نصبه على الحال من النكرة كونها في قوّة المعرفة من حيث أريد بها شخص معين ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم . ( 3 ) البيت من قصيدة طويلة للمرقش الأكبر ، وهو عوف بن سعد بن مالك شاعر جاهلي قالها في مرثية عم له . والمزلم : الوعل ، وزلمتا العنز زنمتاها ، والزلمة تكون للمعز في حلوقها متعلقة كالقرط ، وإن كانت في الأذن فهي زنمة . والأعصم من الظباء والوعول ما في ذراعيه أو في أحدهما بياض . ( 4 ) آية 12 سورة الأحقاف . ( 5 ) في أ : « لأن التوراة لم تكن عربية ، ولا الإنجيل » . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) في ج . وش : « وصفت » .