يحيى بن زياد الفراء

16

معاني القرآن

كَالْمُهْلِ تغلى فِي الْبُطُونِ » « 1 » و « يَغْلِي » ؛ فمن أنّث ذهب إلى الشجرة ، ومن ذكّر ذهب إلى المهل . ومثله قوله عزّ وجل : « أَمَنَةً نُعاساً تغشى طائِفَةً مِنْكُمْ » « 2 » للأمنة ، و « يَغْشى » للنعاس . وقوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) رفعن وأسماؤهن « 3 » في أوّل الكلام منصوبة ؛ لأن الكلام تمّ وانقضت به آية ، ثمّ استؤنفت « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ » في آية أخرى ، فكان أقوى للاستئناف ، ولو تمّ الكلام ولم تكن آية لجاز أيضا الاستئناف ؛ قال اللّه تبارك وتعالى : « جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً . رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ » « 4 » « الرَّحْمنِ » يرفع ويخفض في الإعراب ، وليس الذي قبله بآخر آية . فأما ما جاء في رؤوس الآيات مستأنفا فكثير ؛ من ذلك قول اللّه : « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ » إلى قوله : « وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » « 5 » . ثم قال جل وجهه : « التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ » بالرفع في قراءتنا ، وفي حرف ابن مسعود « 6 » « التائبين العابدين الحامدين » . وقال : « أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ » « 7 » . يقرأ بالرفع والنصب على ما فسّرت لك . وفي قراءة عبد اللّه : « صمّا بكما عميا » بالنصب . ونصبه على جهتين ؛ إن شئت على معنى : تركهم صمّا بكما عميا ، وإن شئت اكتفيت بأن توقع الترك عليهم في الظلمات ، ثم تستأنف « صما » بالذمّ لهم . والعرب تنصب بالذمّ وبالمدح ؛ لأن فيه مع الأسماء مثل معنى قولهم : ويلا له ، وثوابا له ، وبعدا وسقيا ورعيا .

--> ( 1 ) آية 43 - 45 سورة الدخان . ( 2 ) آية 154 سورة آل عمران . ( 3 ) كأنه يريد الضمير المنصوب في قوله : « وتركهم » وجعله أسماءهم إذ كان ضميرا مجموعا ، فكأنه عدّة ضمائر ، كل ضمير اسم ، أو أراد بالمنصوبة غير المرفوعة . ( 4 ) آية 37 سورة النبأ . ( 5 ) آية 111 سورة التوبة . ( 6 ) في ج ، ش : « وفي قراءة عبد اللّه » . ( 7 ) آية 125 - 126 سورة الصافات .