يحيى بن زياد الفراء
8
معاني القرآن
وأما قوله تعالى : وَلَا الضَّالِّينَ » ( 7 ) فإن معنى « غَيْرِ » معنى « لَا » ؛ فلذلك ردّت عليها « وَلَا » . هذا كما تقول : فلان غير محسن ولا مجمل ؛ فإذا كانت « غَيْرِ » بمعنى سوى لم يجز أن تكرّ عليها « لَا » ؛ ألا ترى أنه لا يجوز : عندي سوى عبد اللّه ولا زيد . وقد قال بعض من « 1 » لا يعرف العربية : إن معنى « غَيْرِ » في « الْحَمْدُ » « 2 » معنى « سوى » ، وإن « لَا » صلة في الكلام ، واحتجّ بقول الشاعر « 3 » : في بئر لا حور سرى وما شعر وهذا [ غير ] جائز ؛ لأن المعنى وقع على ما لا يتبين فيه عمله ، فهو جحد محض . وإنما يجوز أن تجعل « لَا » صلة إذا اتصلت بجحد قبلها ؛ مثل قوله : ما كان يرضى رسول اللّه دينهم * والطيّبان أبو بكر ولا عمر « 4 » فجعل « لَا » صلة لمكان الجحد الذي في أوّل الكلام ؛ هذا التفسير أوضح ؛ أراد في بئر لا حور ، « لَا » الصحيحة في الجحد ؛ لأنه أراد في : بئر ماء لا يحير عليه شيئا ؛ كأنك قلت : إلى غير رشد توجه وما درى . والعرب تقول : طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا « 5 » ؛ أي لم يتبين لها أثر عمل .
--> ( 1 ) هو أبو عبيدة . وانظر اللسان ( غير ) . ( 2 ) أي سورة الفاتحة . والحمد من أسمائها . ( 3 ) هو العجاج ، من أرجوزة له طويلة يمدح بها عمر بن عبيد اللّه بن معمر ، وكان عبد الملك بن مروان وجهه لقتال أبى فديك الحروري فأوقع به وبأصحابه . ومطلعها : قد جبر الدين الإله فجبر * وعور الرحمن من ولى العور وقوله : « في بئر لا حور » يريد في بئر نقص سرى الحروري وما شعر ؛ يقول : نقص الحروري ومادرى . ويقال : فلان يعمل في حور أي في نقصان . وهذا على ما يرى أبو عبيدة . ويرى الفرّاء أن الحور الرجوع ولا للنفي ، أي سرى في بئر غير رجوع ، أي بئر منسوبة إلى عدم الرجوع لأنها لا ترجع عليه بخير . والحور يأتي في معنى النقصان ومعنى الرجوع ، فأخذ أبو عبيدة بالأول ، والفرّاء بالثاني . وانظر الخزانة 2 / 95 والبيت محرف في الأصل والتصويب من ديوان العجاج . ( 4 ) من قصيدة لجرير في هجو الأخطل . وانظر الديوان طبعة الصاوي 263 . ( 5 ) أي ما ردت شيئا من الدقيق ، والمراد أنه لم يتبين لها أثر عمل ؛ كما قال المؤلف .