المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع )
505
تفسير الإمام العسكري ( ع )
لَا يَبْعَثَانِ رَسُولًا إِلَّا كَثِيرَ الْمَالِ ، عَظِيمَ الْحَالِ ، لَهُ قُصُورٌ وَدُورٌ - وَفَسَاطِيطُ وَخِيَامٌ وَعَبِيدٌ وَخُدَّامٌ ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ فَوْقَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فَهُمْ عَبِيدُهُ » فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ التَّدْبِيرُ وَالْحُكْمُ لَا يَفْعَلُ عَلَى ظَنِّكَ وَحُسْبَانِكَ ، وَلَا بِاقْتِرَاحِكَ ، بَلْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ، وَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ وَهُوَ مَحْمُودٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ ، وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ ، وَيَكِدَّ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ ، فَلَوْ كَانَ صَاحِبَ قُصُورٍ يَحْتَجِبُ فِيهَا - وَعَبِيدٍ وَخَدَمٍ يَسْتُرُونَهُ عَنِ النَّاسِ - أَ لَيْسَ كَانَتِ الرِّسَالَةُ تَضِيعُ وَالْأُمُورُ تَتَبَاطَأُ أَ وَمَا تَرَى لِمُلُوكٍ إِذَا احْتَجَبُوا - كَيْفَ يَجْرِي الْفَسَادُ وَالْقَبَائِحُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ بِهِ - وَلَا يَشْعُرُونَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ وَلَا مَالَ لِي - لِيُعَرِّفَكُمْ قُدْرَتَهُ وَقُوَّتَهُ ، وَأَنَّهُ هُوَ النَّاصِرُ لِرَسُولِهِ ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِ وَلَا مَنْعِهِ مِنْ رِسَالَتِهِ ، « 1 » فَهَذَا أَبْيَنُ فِي قُدْرَتِهِ وَفِي عَجْزِكُم وَسَوْفَ يُظْفِرُنِي اللَّهُ بِكُمْ فَأُوَسِّعُكُمْ قَتْلًا وَأَسْراً ، ثُمَّ يُظْفِرُنِي اللَّهُ بِبِلَادِكُمْ ، وَ « 2 » يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ دُونِكُمْ ، وَدُونَ مَنْ يُوَافِقُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص : وَأَمَّا قَوْلُكَ لِي : « وَلَوْ كُنْتَ نَبِيّاً لَكَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يُصَدِّقُكَ وَنُشَاهِدُهُ ، بَلْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا نَبِيّاً - لَكَانَ إِنَّمَا يَبْعَثُ مَلَكاً لَا بَشَراً مِثْلَنَا » فَالْمَلَكُ لَا تُشَاهِدُهُ حَوَاسُّكُمْ ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْهَوَاءِ ، لَا عِيَانَ مِنْهُ ، وَلَوْ شَاهَدْتُمُوهُ - بِأَنْ يُزَادَ فِي قُوَى أَبْصَارِكُمْ - لَقُلْتُمْ : لَيْسَ هَذَا مَلَكاً ، بَلْ هَذَا بَشَرٌ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ لَكُمْ بِصُورَةِ الْبَشَرِ - الَّذِي قَدْ أَلَّفْتُمُوهُ لِتَفْهَمُوا عَنْهُ مَقَالَهُ ، وَتَعْرِفُوا بِهِ خِطَابَهُ وَمُرَادَهُ ، فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَ الْمَلَكِ - وَأَنَّ مَا يَقُولُهُ حَقٌّ بَلْ إِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً ، وَأَظْهَرَ عَلَى يَدِهِ الْمُعْجِزَاتِ - الَّتِي لَيْسَتْ فِي طَبَائِعِ الْبَشَرِ - الَّذِينَ قَدْ عَلِمْتُمْ ضَمَائِرَ قُلُوبِهِمْ ، فَتَعْلَمُونَ بِعَجْزِكُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالصِّدْقِ لَهُ ، وَلَوْ ظَهَرَ لَكُمْ مَلَكٌ وَظَهَرَ عَلَى يَدِهِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْبَشَرُ ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّكُمْ - أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي طَبَائِعِ سَائِرِ أَجْنَاسِهِ
--> ( 1 ) . « رسالاته » خ ل ، والإحتجاج . ( 2 ) . « ثمّ » أ ، ط .