المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع )
284
تفسير الإمام العسكري ( ع )
أَنْ يَغْلَطَ فِي خَبَرٍ - ثُمَّ يَسْتَدْرِكَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَلَطَ ، لِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ - وَبِمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ ، وَإِنَّمَا يَسْتَدْرِكُ الْغَلَطَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَخْلُوقُ الْمَنْقُوصُ . وَلَا يُرِيدُ بِهِ أَيْضاً : فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ - أَيْ وَأَشَدُّ قَسْوَةً لِأَنَّ هَذَا تَكْذِيبُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي ، لِأَنَّهُ قَالَ : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ فِي الشِّدَّةِ - لَا أَشَدُّ مِنْهَا وَلَا أَلْيَنُ ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : أَوْ أَشَدُّ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَشَدَّ ، وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : لَا يَجِيءَ مِنْ قُلُوبِكُمْ خَيْرٌ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ . فَأَبْهَمَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ : أَوْ أَشَدُّ . وَبَيَّنَ فِي الثَّانِي أَنَّ قُلُوبَهُمْ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ - لَا بِقَوْلِهِ : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَلَكِنْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ أَيْ فَهِيَ فِي الْقَسَاوَةِ بِحَيْثُ لَا يَجِيءُ مِنْهَا الْخَيْرُ [ يَا يَهُودُ ] وَفِي الْحِجَارَةِ مَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ - فَيَجِيءُ بِالْخَيْرِ وَالْغِيَاثِ لِبَنِي آدَمَ . وَإِنَّ مِنْها مِنَ الْحِجَارَةِ لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَهُوَ مَا يَقْطُرُ مِنْهُ الْمَاءُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا - دُونَ الْأَنْهَارِ الَّتِي يَتَفَجَّرُ مِنْ بَعْضِهَا ، وَقُلُوبُهُمْ لَا يَتَفَجَّرُ مِنْهَا الْخَيْرَاتُ وَلَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ [ مِنْهَا ] قَلِيلٌ مِنَ الْخَيْرَاتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيراً . ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنَّ مِنْها يَعْنِي مِنَ الْحِجَارَةِ لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إِذَا أَقْسَمَ عَلَيْهَا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِأَسَامِي أَوْلِيَائِهِ : مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَالطَّيِّبِينَ مِنْ آلِهِمْ ص ، وَلَيْسَ فِي قُلُوبِكُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بَلْ عَالِمٌ بِهِ ، يُجَازِيكُمْ عَنْهُ بِمَا هُوَ بِهِ عَادِلٌ عَلَيْكُمْ وَلَيْسَ بِظَالِمٍ لَكُمْ ، يُشَدِّدُ حِسَابَكُمْ ، وَيُؤْلِمُ عِقَابَكُمْ . وَهَذَا الَّذِي [ قَدْ ] وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قُلُوبَهُمْ هَاهُنَا - نَحْوُ مَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً « 1 » .
--> ( 1 ) . النّساء : 53 .