ابن قتيبة الدينوري
97
تأويل مشكل القرآن
ومن ذلك قوله : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [ البقرة : 138 ] ، يريد الختان ، فسماه صبغة ، لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون : هذا طهرة لهم كالختان للحنفاء ، فقال اللّه تعالى ، صِبْغَةَ اللَّهِ أي الزموا صبغة اللّه لا صبغة النصارى أولادهم ، وأراد بها ملة إبراهيم عليه السلام . ومنه قوله : ما لَها مِنْ فَواقٍ [ ص : 15 ] أي ما لها من تنظّر وتمكّث إذا بدأت ، ولذلك سمّاها ساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة . وأصل الفواق أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن ثم تحلب فما بين الحلبتين فواق ، فاستعير الفواق في موضع الانتظار . ومنه قوله : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ [ الذاريات : 59 ] ، أي حظّا ونصيبا . وأصل الذّنوب : الدّلو ، وكانوا يستقون الماء ، فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب ، فاستعير في موضع النّصيب ، وقال الشاعر « 1 » : إنّا إذا نازعنا شريب * لنا ذنوب وله ذنوب والعرب تقول : ( أخي وأخوك أيّنا أبطش ؟ ) يريدون : أنا وأنت نصطرع فنطر أيّنا أشدّ ؟ فيكنى عن نفسه بأخيه ، لأن أخاه كنفسه . وقال العبديّ « 2 » : أخي وأخوك ببطن النّسير * ليس به من معدّ عريب ويكنى عن أخيه بنفسه .
--> ( 1 ) يروى الرجز بلفظ : لها ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب والرجز بلا نسبة في لسان العرب ( ذنب ) ، وتهذيب اللغة 14 / 439 ، والمخصص 17 / 18 ، وكتاب العين 8 / 190 ، وجمهرة اللغة ص 306 ، وتاج العروس ( ذنب ) . ( 2 ) يروى البيت بلفظ : فعردة فقفا حبرّ * ليس به من أهله عريب والبيت بهذا اللفظ من مخلع البسيط ، ( وفي عجزه خلل بالوزن ) ، وهو لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 11 ، وجمهرة اللغة ص 275 ، 1164 ، وجمهرة أشعار العرب ص 461 ، وأمالي القالي 1 / 250 ، وسمط اللآلي ص 565 ، ومعجم البلدان ( حبر ) ، وتاج العروس ( عرد ) . والبيت برواية المؤلف لثعلبة بن عمرو العبدي في المفضليات ص 254 .