ابن قتيبة الدينوري

94

تأويل مشكل القرآن

وقال : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [ الفرقان : 47 ] : أي سترا وحجابا لأبصاركم . قال ذو الرّمة « 1 » : ودوّيّة مثل السّماء اعتسفتها * وقد صبغ اللّيل الحصى بسواد أي لمّا ألبسه الليل سواده وظلمته ، كان كأنّه صبغه . وقد يكنون باللباس والثوب عما ستر ووقى ، لأنّ اللباس والثوب واقيان ساتران . وقال الشاعر « 2 » : كثوب ابن بيض وقاهم به * فسدّ على السّالكين السّبيلا قال الأصمعي : ( ابن بيض ) رجل نحر بعيرا له على ثنيّة فسدّها فلم يقدر أحد أن يجوز ، فضرب به المثل فقيل : سدّ ابن بيض الطريق « 3 » . وقال غير الأصمعي : ( ابن بيض ) رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها فاتّبعه مطالبه ، فلما خشي لحاقه وضع ما يطالبه به على الطريق ومضى ، فلما أخذ الإتاوة رجع وقال : « سدّ ابن بيض الطريق » أي منعنا من اتباعه حين وفى بما عليه ، فكأنه سدّ الطريق « 4 » . فكنى الشاعر عن البعير - إن كان التفسير على ما ذكر الأصمعي . أو عن الإتاوة - إن كان التفسير ما ذكر غيره - بالثوب ، لأنهما وقيا كما يقي الثوب . وكان بعض المفسرين يقول في قوله عزّ وجل : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [ الفرقان : 47 ] أي سكنا ، وفي قوله تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ [ البقرة : 187 ] أي سكن لكم . وإنما اعتبر ذلك من قوله : جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [ يونس : 67 ] ومن قوله :

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان ذي الرمة ص 685 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 382 ، وهو بلا نسبة في شرح شذور الذهب ص 415 . ( 2 ) البيت من المتقارب ، وهو لبشامة بن عمرو في تاج العروس ( بيض ) ، وشرح اختيارات المفضل ص 293 ، والمفضليات ص 60 ، وطبقات الشعراء ص 565 ، والأغاني 12 / 43 ، ولبسامة بن حزن ( وهذا تحريف ) في لسان العرب ( بيض ) ، وبلا نسبة في تاج العروس ( ثوب ) . ( 3 ) انظر المثل في لسان العرب ( بيض ) ، وجمهرة الأمثال ص 118 ، ومجمع الأمثال 1 / 341 ، وأمثال العرب للمفضل الضبي ص 71 - 72 . ( 4 ) انظر لسان العرب ( بيض ) ، ومجمع الأمثال 1 / 328 .