ابن قتيبة الدينوري
71
تأويل مشكل القرآن
وسواد ، وأدمة وحمرة . ونحوه قوله : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [ الروم : 22 ] . وذهب قوم في قول اللّه وكلامه : إلى أنه ليس قولا ولا كلاما على الحقيقة ، وإنما هو إيجاد للمعاني . وصرفوه في كثير من القرآن إلى المجاز ، كقول القائل : قال الحائط فمال ، وقل برأسك إليّ ، يريد بذلك الميل خاصة ، والقول فضل . وقال بعضهم في قوله للملائكة : اسْجُدُوا لِآدَمَ [ البقرة : 34 ] : هو إلهام منه للملائكة ، كقوله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] أي ألهمها . وكقوله : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ، ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] وذهبوا في الوحي هاهنا : إلى الإلهام . وقالوا في قوله للنساء والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] : لم يقل اللّه ولم يقولا ، وكيف يخاطب معدوما ؟ وإنما هذا عبارة : لكوّناهما فكانتا . قال الشاعر حكاية عن ناقته « 1 » : تقول إذا درأت لها وضيني : * أهذا دينه أبدا وديني أكلّ الدّهر حلّ وارتحال ؟ * أما يبقي عليّ ولا يقيني ؟ وهي لم تقل شيئا من هذا ، ولكنه رآها في حال من الجهد والكلال ، فقضى عليها بأنها لو كانت ممن تقول لقالت مثل الذي ذكر . وكقول الآخر « 2 » : شكا إليّ جملي طول السّرى
--> ( 1 ) البيتان من الوافر ، وهما للمثقب العبدي في ديوانه ص 195 ، 198 ، والبيت الأول في لسان العرب ( درأ ) ، ( دين ) ، ( وضن ) ، وتهذيب اللغة 14 / 159 ، وتاج العروس ( درأ ) ، ( دين ) ، ( وضن ) ، وشرح اختيارات المفضل ص 1263 ، والبيت بلا نسبة في جمهرة اللغة ص 688 ، 913 ، 1266 ، ومجمل اللغة 2 / 266 ، ومقاييس اللغة 2 / 273 ، والمخصص 17 / 155 ، وديوان الأدب 3 / 327 . ويروى عجز البيت الثاني بلفظ : أما تبقي عليّ ولا تقيني وهو في لسان العرب ( حلل ) ، وتهذيب اللغة 3 / 436 ، وشرح اختيارات المفضل ص 1263 . ( 2 ) يروى الرجز بتمامه : يشكو إليّ جملي طول السّرى * صبر جميل فكلانا مبتلى والرجز للمبلد بن حرملة في شرح أبيات سيبويه 1 / 317 ، وبلا نسبة في أمالي المرتضى 1 / 107 ، وشرح الأشموني 1 / 106 ، والكتاب 1 / 321 ، ولسان العرب ( شكا ) ، وتهذيب اللغة 10 / 299 ، وتاج العروس ( شكا ) .