ابن قتيبة الدينوري
53
تأويل مشكل القرآن
أي غطاها . وهذا مثل قوله تعالى : يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ الفتح : 29 ] . وأما قوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [ هود : 107 ] ، فإن للعرب في معنى ( الأبد ) ألفاظا يستعملونها في كلامهم ، يقولون : لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار ، وما طمى البحر ، أي ارتفع ، وما أقام الجبل ، وما دامت السماوات والأرض ، في أشباه لهذا كثيرة ، يريدون لا أفعله أبدا ، لأن هذه المعاني عندهم لا تتغير عن أحوالها أبدا ، فخاطبهم اللّه بما يستعملونه فقال : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي مقدار دوامهما ، وذلك مدة العالم . وللسماء وللأرض وقت يتغيّران فيه عن هيئتهما ، يقول اللّه تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] ، ويقول : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [ الأنبياء : 104 ] . أراد أنهم خالدون فيها مدة العالم ، سوى ما شاء اللّه أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم . ثم قال : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] أي غير مقطوع . و ( إلّا ) في هذا الموضع بمعنى ( سوى ) ومثله من الكلام : لأسكننّ في هذه الدار حولا إلا ما شئت . تريد سوى ما شئت أن أزيد على الحول . هذا وجه . وفيه ( قول آخر ) ، وهو : أن يجعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد ، على ما تعرف العرب وتستعمل ، وإن كانتا قد تتغيّران ، وتستثنى المشيئة من دوامهما ، لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا لا في الجنة ، فكأنه قال : خالدين في الجنة وخالدين في النار دوام السماء والأرض ، إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك . وفيه ( وجه ثالث ) : وهو أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار حتى تلحقهم رحمة اللّه ، وشفاعة رسوله ، فيخرجوا منها إلى الجنة . فكأنه قال سبحانه : خالدين في النار ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من إخراج المذنبين من المسلمين إلى الجنة ، وخالدين في الجنة ما دامت السماوات والأرض ، إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة من المدد ، ثم يصيرون إلى الجنة . وأما قوله : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدخان : 56 ] ، فإن ( إلّا ) في هذا الموضع أيضا بمعنى ( سوى ) . ومثله : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [ النساء : 22 ] يريد سوى ما سلف في الجاهلية قبل النهي .