ابن قتيبة الدينوري

48

تأويل مشكل القرآن

متعلّقا ومقالا لو قال : والأرض بعد ذلك خلقها أو ابتدأها أو أنشأها ، وإنما قال : دَحاها فابتدأ الخلق للأرض على ما في الآي الأول في يومين ، ثم خلق السماوات وكانت دخانا في يومين ، ثم دحا بعد ذلك الأرض ، أي بسطها ومدّها ، وكانت ربوة مجتمعة ، وأرساها بالجبال ، وأنبت فيها النبات في يومين ، فتلك ستة أيام سواء للسائلين ، وهو معنى قول ابن عباس . وقال مجاهد « 1 » : بعد ذلك في هذا الموضع ، بمعنى ( مع ذلك ) ، و ( مع ) و ( بعد ) في كلام العرب سواء . وقوله : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) [ الغاشية : 6 ] ، وهو يقول في موضع آخر : فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) [ الحاقة : 35 ، 36 ] ، فإن النار دركات ، والجنة درجات ، وعلى قدر الذنوب والحسنات تقع العقوبات والمثوبات ، فمن أهل النار من طعامه الزّقّوم ، ومنهم من طعامه غسلين ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصّديد . والضّريع : نبت يكون بالحجاز ، يقال لرطبه : الشّبرق ، لا يسمن ولا يشبع ، قال امرؤ القيس « 2 » : فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم * غوارب رمل ذي ألاء وشبرق والعرب تصفه بذلك . وغسلين : فعلين من غسلت ، كأنه الغسالة ، قال بعض المفسرين : هو ما يسيل من أجساد المعذّبين . وهذا نحو قوله : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [ إبراهيم : 50 ] وسرابيلهم من قطر آن قراءة عكرمة ومن تابعه . والقطر : النّحاس . والآن : الذي قد بلغ منتهى حرّه . كأن قوما يسربلون هذا ،

--> ( 1 ) مجاهد : هو مجاهد بن جبير المخزومي ، أبو الحجاج المقري المكي ، مولى عبد اللّه بن السائب ، وقيل : مولى السائب بن أبي السائب ، فقيه محدّث تابعي ثقة . توفي بمكة سنة 102 ه ، وقيل : 103 ه ، وقيل : 104 ه . صنّف « تفسير القرآن » . ( أسماء التابعين 1 / 363 ، كشف الظنون 6 / 4 ) . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان امرئ القيس ص 169 ، ولسان العرب ( شبرق ) ، والبيت بلا نسبة في رصف المباني ص 51 .