ابن قتيبة الدينوري
46
تأويل مشكل القرآن
باب التناقض والاختلاف قال أبو محمد : عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة : فأما ما نخلوه من التناقض في مثل قوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) [ الرحمن : 39 ] . وهو يقول في موضع آخر : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) [ الحجر : 92 ، 93 ] . فالجواب في ذلك : أن يوم القيامة يكون كما قال اللّه تعالى : مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : 4 ] ، ففي مثل هذا اليوم يسألون وفيه لا يسألون ، لأنهم حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون ، فإذا انتهت المسألة ووجبت الحجة : انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [ الرحمن : 37 ] وانقطع الكلام ، وذهب الخصام ، واسودّت وجوه قوم ، وابيضت وجوه آخرين ، وعرف الفريقان بسيماهم ، وتطايرت الصحف من الأيدي : فآخذ ذات اليمين إلى الجنة ، وآخذ ذات الشمال إلى النار . وكذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنه في قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) [ الرحمن : 39 ] قال : هو موطن لا يسألون فيه . ومثله : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [ القصص : 78 ] . وقوله : لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [ ق : 28 ] وقوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 36 ) [ المرسلات : 35 ، 36 ] ، وهو يقول في موضع آخر : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) [ الزمر : 31 ] ويقول : هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 111 ، والنمل : 64 ] . والجواب عن هذا كله نحو جوابنا الأول ، لأنهم يختصمون ويدعي المظلومون على الظالمين ، ففي تلك الحال يختصمون ، فإذا وقع القصاص وثبت الحكم قيل لهم : لا تختصموا ولا تنطقوا ، ولا تعتذروا ، فليس ذلك بمغن عنكم ولا نافع لكم ، فيخسئون .