ابن قتيبة الدينوري
42
تأويل مشكل القرآن
فقد كتب في الإمام : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بحذف ألف التثنية . وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان ، مثل : قال رجلن و فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما [ المائدة : 107 ] وكتبت كتّاب المصحف : الصلاة والزكاة والحياة ، بالواو ، واتّبعناهم في هذه الحروف خاصة على التّيمّن بهم ، ونحن لا نكتب : ( القطاة والقناة والفلاة ) إلا بالألف ، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه . وكتبوا ( الربو ) بالواو ، وكتبوا : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا [ المعارج : 36 ] فمال بلام منفردة . وكتبوا : وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [ الأنعام : 34 ] بالياء أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشورى : 51 ] بالياء في الحرفين جميعا ، كأنهما مضافان ، ولا ياء فيهما ، إنما هي مكسورة . وكتبوا : أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [ القلم : 41 ] و فَقالَ الضُّعَفاءُ [ إبراهيم : 21 ] بواو ، ولا ألف قبلها . وكتبوا : أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [ هود : 77 ] بواو بعد الألف ، وفي موضع آخر ما نَشاءُ [ الإسراء : 18 ، والحج : 5 ] بغير واو ، ولا فرق بينهما . وكتبوا : أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [ النمل : 31 ] بزيادة ألف . وكذلك وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [ التوبة : 47 ] بزيادة ألف بعد لام ألف . وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه . وكذلك لحن اللاحنين من القرّاء المتأخرين ، لا يجعل حجّة على الكتاب . وقد كان الناس قديما يقرءون بلغاتهم كما أعلمتك . ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ، ولا علم التكلّف ، فهفوا في كثير من الحروف وزلّوا وقرءوا بالشاذ وأخلّوا . منهم رجل ستر اللّه عليه عند العوام بالصلاح ، وقرّبه من القلوب بالدين . لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطا ، ولا أشد اضطرابا منه ، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره ، ثم يؤصّل أصلا ويخالف إلى غيره لغير ما علّة . ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة . هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز ، فإفراطه في المد والهمزة