ابن قتيبة الدينوري
249
تأويل مشكل القرآن
وكقوله عزّ وجل : إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ الأنعام : 38 ] ، أي : أصناف ، وكل صنف من الدواب والطير مثل بني آدم في المعرفة باللّه ، وطلب الغذاء . وتوقّي المهالك ، والتماس الذّرء ، مع أشباه لهذا كثيرة . ثم تصير الأمّة : الحين ، كقوله عزّ وجل : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] . وكقوله : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [ هود : 8 ] . أي : سنين معدودة . كأنّ الأمّة من الناس القرن ينقرضون في حين ، فتقام ( الأمّة ) مقام ( الحين ) . ثم تصير الأمّة : الإمام والرّباني ، كقوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً [ النحل : 120 ] . أي : إماما يقتدي به الناس ، لأنه ومن اتبعه أمّة ، فسمّي أمّة لأنه سبب الاجتماع . وقد يجوز أن يكون سمّي أمّة : لأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مثله في أمة . ومن هذا يقال : فلان أمّة وحده ، أي : هو يقوم مقام أمة . وقد تكون الأمة : جماعة العلماء ، كقوله : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [ آل عمران : 104 ] . أي : يعلمون . والأمّة : الدّين ، قال تعالى : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ * [ الزخرف : 22 ، 23 ] أي : على دين . قال النابغة « 1 » : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع ؟ أي : ذو دين . والأصل أنه يقال للقوم يجتمعون على دين واحد : أمة ، فتقام الأمة مقام الدين ، ولهذا قيل للمسلمين : أمّة محمد ، صلّى اللّه عليه وسلم ، لأنهم على أمر واحد ، قال تعالى : وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [ المؤمنون : 52 ] . مجتمعة على دين وشريعة . وقال اللّه عزّ وجل : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [ النحل : 93 ] ، أي : مجتمعة على الإسلام . 4 - العهد الأمان : عهد ، قال اللّه تعالى : فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [ التوبة : 4 ] .
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 35 ، ولسان العرب ( أمم ) ، ومقاييس اللغة 1 / 28 ، وكتاب العين 8 / 428 ، وتهذيب اللغة 15 / 635 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 247 ، ومجمل اللغة 1 / 152 .