ابن قتيبة الدينوري

243

تأويل مشكل القرآن

والعير يرهقهما الغبار وجحشها * ينقضّ خلفهما انقضاض الكوكب وقال أوس بن حجر ، وهو جاهلي « 1 » : وانقضّ كالدّرّيّ يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا وقال عوف بن الخرع ، وهو جاهلي « 2 » : يردّ علينا العير من دون أنفه * أو الثّور كالدّرّيّ يتبعه الدّم وفي أيدي الناس كتب من كتب الأعاجم وسيرهم : تنبئ عن انقضاض النجوم في كلّ عصر وكلّ زمان . ثم قالت الجن : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ حين اشتدت حراسة السماء من استراق السمع أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [ الجن : 10 ] أي خيرا . ثم قالت الجن : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ بعد استماع القرآن : وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي : منّا بررة أتقياء ، ومنا دون البررة ، وهم مسلمون و كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً [ الجن : 11 ] أي : أصنافا ، وكلّ فرقة قدّة ، وهي مثل قطعة في التقدير وفي المعنى ، فكأنّهم قالوا : نحن أصناف وقطع . ثم قالت الجن : وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ [ الجن : 14 ] أي : الكافرون ، الآية . وانقطع كلام الجن . وقال اللّه تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) [ الجن : 16 ] أي : لو آمنوا جميعا لوسّعنا عليهم في الدنيا . وضرب الماء الغدق ، وهو الكثير ، لذلك مثلا ، لأنّ الخير والرّزق كلّه بالمطر يكون ، فأقيم مقامه إذ كان سببه ، على ما أعلمتك في المجاز . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [ الجن : 17 ] . أي لتختبرهم فنعلم كيف شكرهم . وفيه قول آخر ، يقول : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا [ الجن : 16 ] جميعا على طريقة الكفر : لوسّعنا عليهم وجعلنا ذلك فتنة لهم و ( أن ) منصوبة منسوقة على ما تقدّم من قوله سبحانه .

--> الحيوان 6 / 273 ، 279 . ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لأوس بن حجر في ديوانه ص 3 ، ولسان العرب ( درأ ) ، وتهذيب اللغة 14 / 158 ، وتاج العروس ( درأ ) ، والمعاني الكبير 2 / 738 ، وكتاب الحيوان 6 / 274 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لعوف بن الخرع في كتاب الحيوان 6 / 275 ، والمعاني الكبير 2 / 739 .