ابن قتيبة الدينوري
24
تأويل مشكل القرآن
وقدّمت وأخرت ، وضربت لبعض ذلك الأمثال والأشكال ، حتى يستوي في فهمه السامعون . وأسأل اللّه التجاوز عن الزّلة بحسن النية ، فيما دللت عليه ، وأجريت إليه ، والتوفيق للصواب ، وحسن الثواب . الحكاية عن الطاعنين وكان مما بلغنا عنهم : أن يحتجّون بقوله عزّ وجل : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] وبقوله : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت : 42 ] . وقالوا : وجدنا الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، ومن بعدهم ، يختلفون في الحرف : فابن عباس يقرأ : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] وغيره يقرأ : بَعْدَ أُمَّةٍ . و « عائشة » تقرأ : « إذ تلقونه » [ النور : 15 ] وغيرها يقرأ : تَلَقَّوْنَهُ . وأبو بكر الصديق يقرأ وجاءت سكرة الحقّ بالموت والناس يقرءون : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ ق : 19 ] . وقرأ بعض القراء : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وقرأ الناس : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [ يوسف : 31 ] . وكان ابن مسعود يقرأ : إن كانت إلا زقية واحدة [ يس : 29 ] ويقرأ كالصوف المنفوش [ القارعة : 5 ] . مع أشباه لهذه كثيرة ، يخالف فيها مصحفه المصاحف القديمة والحديثة . وكان يحذف من مصحفه أمّ الكتاب ويمحو المعوّذتين ويقول : لم تزيدون في كتاب اللّه ما ليس فيه ؟ . و ( أبيّ ) يقرأ : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [ طه : 15 ] من نفسي فكيف أظهركم عليها . ويزيد في مصحفه افتتاح ( دعاء القنوت ) إلى قول الداعي : ( إن عذابك بالكافرين ملحق ) ويعدّه سورتين من القرآن . و ( القرّاء ) يختلفون : فهذا يرفع ما ينصبه ذاك ، وذاك يخفض ما يرفعه هذا . وأنتم تزعمون أن هذا كله كلام رب العالمين ، فأيّ شيء بعد هذا الاختلاف تريدون ؟ وأي باطل بعد الخطأ واللحن تبتغون ؟ . وقد رويتم من الطريق الذي ترتضون : روى أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ( عائشة ) أنها قالت :