ابن قتيبة الدينوري

234

تأويل مشكل القرآن

قد تكلم المفسرون في هذه الآية بما فيه مقنع وغناء عن أن يوضّح بغير لفظهم : فروى عبد الرّزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، أنه قال : اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من قومهم وَظَنُّوا أي : علموا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا وكان يقرؤها بالتشديد . وروى عبد الرزّاق ، عن معمر ، عن الزّهري ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : استيأس الرّسل ممن كذّبهم من قومهم أن يصدّقوهم ، وظنّت الرّسل أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذّبوهم ، جاءهم نصر اللّه عند ذلك . وكانت تقرأ فكذبوا بضم الكاف وتشديد الذال . وروى حجّاج ، عن ابن جريج : عن ابن أبي مليكة ، عن عروة ، عن ( عائشة ) ، أنها قالت : لم يزل البلاء بالرّسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذّبوهم . وروى حجّاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد أنه قرأها قَدْ كُذِبُوا بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال ، يريد : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا فيما بلّغوا عن اللّه عزّ وجل . وروى حجّاج ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس أنه قرأ : كُذِبُوا بضم الكاف ، وكسر الذال ، وتخفيفها . وقال : كانوا بشرا ، يعني الرسل ، يذهب إلى أن الرسل ضعفوا فظنّوا أنهم قد أخلفوا . وهذه مذاهب مختلفة ، والألفاظ تحتملها كلّها ، ولا نعلم ما أراد اللّه عزّ وجل ، غير أنّ أحسنها في الظاهر ، وأولاها بأنبياء اللّه صلوات اللّه عليهم ، ما قالت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها . في سورة لإيلاف قريش يذهب بعض الناس إلى أنّ هذه السورة وسورة الفيل واحدة . وبلغني عن ابن عيينة « 1 » أنه قال : كان لنا إمام بالكوفة يقرأ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) [ الفيل : 1 ] و لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) [ قريش : 1 ] ولا يفرّق بينهما . وتوهّم القوم أنهما سورة واحدة ، لأنهم رأوا قوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ مردودا إلى كلام في سورة الفيل .

--> ( 1 ) ابن عيينة : هو سفيان بن عيينة ، تقدمت ترجمته .