ابن قتيبة الدينوري
230
تأويل مشكل القرآن
يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبا ، ويحملهم التنزيه لهم ، صلوات اللّه عليهم ، على مخالفة كتاب اللّه جلّ ذكره ، واستكراه التأويل ، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة التي لا تخيل عليهم ، أو على من علم منهم - أنّها ليست لتلك الألفاظ بشكل ، ولا لتلك المعاني بلفق . كتأوّلهم في قوله تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] أي : بشم من أكل الشجرة . وذهبوا إلى قول العرب : غوى الفصيل : إذا أكثر من اللبن حتى يبشم . وذلك غوى - بفتح الواو - يغوي غيّا . وهو من البشم غوي - بكسر الواو - يغوى غوى . قال الشاعر يذكر قوسا « 1 » : معطّفة الأثناء ليس فصيلها * برازئها ذرّا ولا ميّت غوى وأراد بالفصيل : السّهم . يقول : ليس يرزؤها درّا ، ولا يموت بشما ، ولو وجد أيضا في ( عصى ) مثل هذا السّنن لركبوه ، وليس في ( غوى ) شيء إلا ما في ( عصى ) من معنى الذّنب ، لأن العاصي للّه التّارك لأمره غاو في حاله تلك ، والغاوي عاص . والغيّ ضدّ الرّشد ، كما أن المعصية ضد الطاعة . وقد أكل آدم ، صلّى اللّه عليه وسلم ، من الشجرة التي نهي عنها باستزلال إبليس وخدائعه إيّاه باللّه والقسم به إنه لمن الناصحين ، حتى دلّاه بغرور « 2 » . ولم يكن ذنبه عن إرصاد « 3 » وعداوة وإرهاص « 4 » كذنوب أعداء اللّه . فنحن نقول : ( عصى وغوى ) ، كما قال اللّه تعالى ، ولا نقول : آدم ( عاص ولا غاو ) ، لأن ذلك لم يكن عن اعتقاد متقدّم ولا نيّة صحيحة ، كما تقول لرجل قطع ثوبا وخاطه : قد قطعه وخاطه ، ولا تقل خائط ولا خيّاط حتى يكون معاودا لذلك الفعل ، معروفا به . وكتأولهم في قوله سبحانه : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها أنها همّت بالمعصية ، وهمّ بالفرار منها ! وقال ( بعضهم ) : وهمّ بضربها ! واللّه تعالى يقول : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [ يوسف : 24 ] . أفتراه أراد الفرار منها . أو الضرب لها ، فلما رأى البرهان أقام
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لعامر المجنون في تاج العروس ( غوي ) ( ولعله عامر بن المجنون الجرمي المذكور في الأغاني 3 / 109 ، 122 ، وكان يلقب بمدرج الريح ) . والبيت بلا نسبة في لسان العرب ( غوي ) ، وتهذيب اللغة 8 / 218 ، ومقاييس اللغة 4 / 400 ، والمخصص 7 / 41 ، 180 ، 15 / 162 ، وديوان الأدب 4 / 97 . ( 2 ) دلاه بغرور : أي أوقعه فيما أراد من تغريره . ( 3 ) الإرصاد : الإعداد . ( 4 ) الإرهاص على الذنب : الإصرار عليه .