ابن قتيبة الدينوري

227

تأويل مشكل القرآن

إِماماً وَرَحْمَةً قبل القرآن يشهد له بما قدّم اللّه فيها من ذكره . والجواب هاهنا محذوف . أراد أفمن كانت هذه حاله كهذا الذي يريد الحياة الدنيا وزينتها ؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم ، إذ كان فيه دليل عليه . ومثله قوله : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ، ولم يذكر الذي هو ضده ؟ لأنه قال بعد : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] . فالقانتون آناء الليل والنهار هم الذين يعلمون ، وأضدادهم ، هم الذين لا يعلمون ، فاكتفى من الجواب بما تأخّر من القول ، إذ كان فيه دليل عليه . وقوله : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، يعني أصحاب محمد ، صلّى اللّه عليه وسلم ، يؤمنون بهذا . وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ ، يعني مشركي العرب وغيرهم . فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، أي في شك . إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، الخطاب للنبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، والمراد غيره ، على ما بينا في ( باب الكناية ) . في سورة الأنعام ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) [ الأنعام : 154 ] . أراد : آتينا موسى الكتاب تماما على المحسنين ، كما تقول : أوصي بمالي للذي غزا وحج ، تريد الغازين الحاجّين ، ويكون ( الذي ) في موضع ( من ) كأنه قال : تماما على من أحسن . والمحسنون : هم الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم أجمعين ، والمؤمنون . و ( على ) في هذا الموضع بمعنى ( لام الجر ) كما يقال : أتمّ اللّه عليه وأتمّ له قال الرّاعي « 1 » : رعته أشهرا وخلا عليها * فطار النّيّ فيها واستغارا أراد : وخلا لها . وتلخيصه : آتينا موسى الكتاب تتميما منّا للأنبياء وللمؤمنين - الكتب .

--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو للراعي النميري في ديوانه ص 142 ، وخزانة الأدب 10 / 140 ، 142 ، ولسان العرب ( غور ) ، ( خلا ) .