ابن قتيبة الدينوري
214
تأويل مشكل القرآن
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ [ البقرة : 19 ] . فالصيب : المطر ، والظلمات : ظلمة الليل ، وظلمة السحابة ، والرعد : دليل على شدة ظلمة الصّيّب وهوله . أراد : أو مثل قوم في ظلمات ليل ومطر . فضرب الظلمات لكفرهم مثلا ، والبرق لتوحيدهم مثلا ، فقال : إذا قالوا : لا إله إلا اللّه اهتدوا كما يهتدي هؤلاء القوم بالبرق إذا لمع فيمشون . وجعله يكاد يخطف الأبصار لشدّة ضوئه . وإذا نافقوا فاستهزءوا وخلوا بشياطينهم فتابعوهم - عموا وصمّوا ، كما يظلم على هؤلاء إذا سكن لمعان البرق فيقومون . في سورة المزمل الْمُزَّمِّلُ ، المتزمّل ، فأدغمت التاء في الزّاي ، وكذلك الْمُدَّثِّرُ هو : المتدثّر بثيابه ، فأدغمت التاء في الدال . وكل من التف بثوبه فقد تزمل به . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) [ المزمل : 2 ] أي : صلّ الليل إلا شيئا يسيرا منه تنام فيه وهو الثلث ، ثم قال : نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) [ المزمل : 3 ] أي : قم نصفه ، فاكتفى بالفعل الأول من الثاني لأنه دليل عليه . أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث ، أو أوزد على النصف إلى الثلثين . جعل له سعة في مدّة قيامه بالليل . فلما نزل هذه الآية قام رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وطائفة من المؤمنين معه ، أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ، وأخذ المسلمون أنفسهم بالقيام على المقادير حتى شقّ ذلك عليهم ، فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ أي : وتقوم نصفه وثلثه وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فيعلم مقدار ثلثيه ونصفه وثلثه ، وسائر أجزائه ومواقيته ، ويعلم أنكم أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي : لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام فيه فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمل : 20 ] رخّص لهم أن يقوموا ما أمكن وخفّ ، لغير مدة معلومة ولا مقدار . وكان هذا في صدر الإسلام ، ثم نسخ بالصلوات الخمس . كذلك قال المفسرون : وقوله : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ [ المزمل : 6 ] وهي : آناؤه وساعاته ، مأخوذة من نشأت تنشأ نشئا ، ونشأت أي : ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء ، وأنشأها اللّه فنشأت