ابن قتيبة الدينوري

204

تأويل مشكل القرآن

والثمانية الأزواج : الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر . وإنما جعلها ثمانية وهي أربعة ، لأنه أراد : ذكرا وأنثى من كل صنف ، فالذكر زوج ، والأنثى زوج ، والزوج يقع على الواحد والاثنين . ألا ترى أنك تقول للرجل : زوج ، وهو واحد ، وللمرأة : زوج ، وهي واحدة ؟ قال اللّه تعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) [ النجم : 45 ] . وكانوا يقولون : ما في بطون الأنعام حلال لذكورنا ونسائنا ، إن كان الجنين ذكرا ، ومحرّم على إناثنا إن كان أنثى . ويحرّمون على الرجال والنساء الوصيلة وأخاها ، ويزعمون أن اللّه حرّم ذلك عليهم . فقال اللّه سبحانه : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ المائدة : 103 ] . وقال يقايسهم في تحريم ما حرّموا : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ من الضأن والمعز حَرَّمَ اللّه عليكم أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ ، فإن كان التحريم من جهة الذكرين : فكل ذكر حرام عليكم ، وإن كان التحريم من جهة الأنثيين : فكل أنثى حرام عليكم ، أَمِ حرّم عليكم أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ من الأجنّة ؟ . فإن كان التحريم من جهة الاشتمال ، فالأرحام تشتمل على الذكور ، وتشتمل على الإناث ، وتشتمل على الذكور والإناث ، فكل جنين حرام . أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا أي حين أمر اللّه بهذا فتكونون على يقين ؟ أم تفترونه عليه وتختلقونه ؟ توبيخ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 144 ] . في سورة التين لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) [ التين : 4 ، 8 ] . يريد : عدّلنا خلقه ، وقوّمناه أحسن تعديل وتقويم . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ، والسّافلون : هم الضعفاء والزّمنى الأطفال ، ومن لا يستطيع حيلة ، ولا يجد سبيلا . وتقول : سفل يسفل فهو سافل ، وهم سافلون . كما تقول : علا يعلو فهو عال وهم عالون . وهو مثل قوله سبحانه : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [ النحل : 70 ] .