ابن قتيبة الدينوري

201

تأويل مشكل القرآن

أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ، يعني العبيد ، لأن السيد يملك منزل عبده . هذا على تأويل ابن عباس . وقال غيره : أو ما خزنتموه لغيركم . يريد الزّمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً من منازل هؤلاء إذا دخلتموها ، وإن لم يحضروا ولم يعلموا ، من غير أن تتزوّدوا وتحملوا ، ولا جناح عليكم أن تأكلوا جميعا أو فرادى ، وإن اختلفتم : فكان فيكم الزّهيد « 1 » ، والرّغيب « 2 » ، والصحيح ، والعليل . وهذا من رخصته للقرابات وذوي الأواصر - كرخصته في الغرباء والأباعد لمن دخل حائطا وهو جائع : أن يصيب من ثمره ، أو مرّ في سفر بغنم وهو عطشان : أن يشرب من رسلها « 3 » ، وكما أوجب للمسافر على من مرّ به الضيافة ، توسعة منه ولطفا بعباده ، ورغبة بهم عن دناءة الأخلاق ، وضيق النظر . في سورة الأنعام فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) [ الأنعام : 76 - 79 ] . كان العصر الذي بعث اللّه ، عزّ وجل ، فيه إبراهيم ، صلّى اللّه عليه وسلم ، عصر نجوم وكهانة ، وإنما أمر نمروذ بقتل الولدان في السنة التي ولد فيها إبراهيم ، صلّى اللّه عليه وسلم ، لأن المنجمين والكهّان قالوا : إنه يولد في تلك السنة من يدعو إلى غير دينه ، ويرغب عن سنّته . وكان القوم يعظّمون النجوم ، ويقضون بها على غائب الأمور ، ولذلك نظر إبراهيم نظرة في النجوم فقال : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] وكان القوم يريدون الخروج إلى مجمع لهم ، فأرادوه على أن يغدو معهم ، وأراد كيد أصنامهم خلاف مخرجهم ، فنظر نظرة في النجوم ، يريد علم النجوم ، أي في مقياس من مقاييسها ، أو سبب من أسبابها ، ولم ينظر إلى النجوم أنفسها . يدلك على ذلك قوله : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) [ الصافات : 88 ]

--> ( 1 ) يقال : رجل زهيد العين : إذا كان يقنعه القليل . ( 2 ) يقال : رجل رغيب العين : إذا كان لا يقنعه إلا الكثير . ( 3 ) الرّسل : اللبن .