ابن قتيبة الدينوري

198

تأويل مشكل القرآن

يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ يسرج به من شدة صفائه . وتم الكلام ثم ابتدأ فقال : نُورٌ عَلى نُورٍ ، يعني نور المصباح على نور الزّجاجة والدّهن ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ثم قال : هذا المصباح فِي بُيُوتٍ ، يعني المساجد . وذكر أهلها فقال : يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ، يريد أن القلوب يوم القيامة تعرف أمره يقينا فتتقلّب عما كانت عليه من الشك والكفر ، وأن الأبصار يومئذ ترى ما كانت مغطّاة عنه فتتقلّب عمّا كانت عليه . ونحوه قوله تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 ) [ ق : 22 ] . ثم ضرب مثلا للكافرين ، فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ، أي كالسراب يحسبه العطشان من البعد ماء يرويه حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً . كذلك الكافر يحسب ما قدّم من عمله نافعه ، حتى إذا جاءه ، أي مات ، لم يجد عمله شيئا ، لأنّ اللّه ، عزّ وجلّ ، قد أبطله بالكفر ومحقه ، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ، أي عند عمله فَوَفَّاهُ حِسابَهُ . ثم ضرب مثلا آخر ، فقال : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ، يريد : أنه في حيرة من كفره كهذه الظلمات . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً في قلبه ، فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . في سورة سبأ وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ( 54 ) [ سبأ : 51 ، 54 ] . كان الحسن - رضي اللّه عنه - يجعل الفزع يوم القيامة إذا بعثوا من القبور . يقول : ولو ترى يا محمد فزعهم حين لا فوت ، أي لا مهرب ولا ملجأ يفوتون به ويلجئون إليه . وهذا نحو قوله : فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ ص : 3 ] ، أي نادوا حين لا مهرب .