ابن قتيبة الدينوري

196

تأويل مشكل القرآن

هذا مثل ضربه اللّه ، تبارك وتعالى ، للمنافقين والمرائين بأعمالهم لا يريدونه بشيء منها . يقول : يردون يوم القيامة على أعمال قد محقها اللّه وأبطلها ، ووكلهم في ثوابها إلى من عملوا له ، أحوج ما كانوا إلى أعمالهم ، فمثلهم كمثل رجل كانت له جنّة فيها من كل الثمرات ، وأصابه الكبر فضعف عن الكسب ، وله أطفال لا يجدون عليه ولا ينفعونه ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، ففقدها أحوج ما كان إليها ، عند كبر السن ، وضعف الحيلة ، وكثرة العيال ، وطفولة الولد . وهو معنى قول ابن عباس وغيره . وقد ضرب اللّه لهم قبل هذا مثلا فيه هذا المعنى بعينه ، فقال : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [ البقرة : 264 ] . يريد سبحانه : أنه محق كسبهم ، فلم يقدروا عليه حين حاجتهم إليه ، كما أذهب المطر التراب عن الصّفا ، ولم يوافق في الصّفا منبتا . ثم ضرب مثلا للمخلصين ، فقال : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ البقرة : 265 ] أي : تحقيقا من أنفسهم ، فقال : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ وأحسن ما تكون الجنان والرّياض : على الرّبا ، أَصابَها وابِلٌ وهو : أشدّ المطر ، فأضعفت في الحمل ، ثم قال : فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ [ البقرة : 265 ] أي : أصابها طلّ ، وهو : أضعف المطر . فتلك حالها في النّزل وتضاعف الثمر ، لا ينقص بالطّل عن مقدارها بالوابل . في سورة الرعد أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 ) [ الرعد : 17 ] . هذا مثل ضربه اللّه للحق والباطل . يقول : الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه ، فإن اللّه سيمحقه ويبطله ، ويجعل العاقبة للحق وأهله ، ومثل ذلك مطر جود ، أسال الأودية بقدرها : الكبير على قدره ، والصغير على قدره . فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي : عاليا على الماء كما يعلو الباطل تارة على الحق ، ومن جواهر الأرض التي تدخل الكير ويوقد عليها . يعني الذهب والفضة