ابن قتيبة الدينوري

191

تأويل مشكل القرآن

فأراد جل وعزّ : ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرا موجودا ، وكفر الكافرين ظاهرا موجودا . وكذلك قوله سبحانه : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ آل عمران : 142 ] ، أي يعلم جهاده وصبره موجودا يجب له به الثواب . وقوله سبحانه : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) [ سبأ : 46 ] . تأويله أنّ المشركين قالوا : إن محمدا مجنون وساحر ، وأشباه هذا من خرصهم « 1 » ، فقال اللّه جل وعزّ لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : قل لهم : اعتبروا أمري بواحدة ، وهي أن تنصحوا لأنفسكم ، ولا يميل بكم هوىّ عن حق ، فتقوموا للّه وفي ذاته ، مقاما يخلو فيه الرجل منكم بصاحبه فيقول له : هلمّ فلنتصادق ، هل رأينا بهذا الرجل جنّة قط أو جرينا عليه كذبا ؟ فهذا موضع قيامهم مثنى . ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيفكّر وينظر ويعتبر . فهذا موضع قيامهم فرادى . فإنّ في ذلك ما دلهم على أنه نذير . وكل من تحير في أمر قد اشتبه عليه واستبهم ، أخرجه من الحيرة فيه : أن يسأل ويناظر ، ثم يفكّر ويعتبر . في سورة الفرقان أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) [ الفرقان : 45 ، 46 ] . امتداد الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . كذلك قال المفسرون ، ويدلك عليه أيضا قوله في وصف الجنة : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) [ الواقعة : 30 ] أي لا شمس فيه ، كأنه ما بين هذين الوقتين . وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي : مستقرا دائما حتى يكون كظل الجنة الذي لا تنسخه الشمس .

--> ( 1 ) خرص يخرص ، بالضم ، خرصا وتخرص : أي كذب ، ورجل خرّاص : كذّاب . ومنه قوله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أي الكذابون الذين قالوا : محمد شاعر .