ابن قتيبة الدينوري
183
تأويل مشكل القرآن
العينين ، وإن كان قد يقع بعضها مثل « حم » و « ألم » لعدة سور - فإنّ الفصل قد يقع بأن تقول : حم السّجدة ، وألم البقرة ، كما يقع الوفاق في الأسماء ، فتدل بالإضافات وأسماء الآباء والكنى . وإن كانت أقساما ، فيجوز أن يكون اللّه ، عزّ وجل ، أقسم بالحروف المقطّعة كلّها ، واقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها ، فقال : « ألم » وهو يريد جميع الحروف المقطعة ، كما يقول القائل : تعلمت « ا ب ت ث » وهو لا يريد تعلم هذه الأربعة الأحرف دون غيرها من الثمانية والعشرين ، ولكنّه لما طال أن يذكرها كلّها ، اجتزأ بذكر بعضها . ولو قال : تعلمت « حاء طاء صاد » لدلّ أيضا على حروف المعجم ، كما دلّ بالقول الأول ، إلا أن الناس يدلون بأوائل الأشياء عليها فيقولون : قرأت « الحمد للّه » يريدون فاتحة الكتاب فيسمونها بأول حرف منها . هذا الأكثر ، وربما دلّوا بغير الأول أيضا ، أنشد الفرّاء « 1 » : لما رأيت أنّها في حطّي * أخذت منها بقرون شمط يريد ( في أبي جاد ) فدلّ بحطّي كما دلّ غيره بأبي جاد . وإنما أقسم اللّه بحروف المعجم ، لشرفها وفضلها ، ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة ، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وأصول كلام الأمم ، بها يتعارفون ، ويذكرون اللّه ويوحّدون . وقد أقسم اللّه في كتابه بالفجر ، والطّور ، وبالعصر ، وبالتّين ، والزّيتون - وهما جبلان ينبتان التين والزيتون ، يقال لأحدهما : طورزيتا وللآخر : طورتينا ، بالسّريانية ، من الأرض المقدسة ، فسماها بما ينبتان - وأقسم بالقلم ، إعظاما لما يسطرون . ووقع القسم بها في أكثر السور على القرآن فقال : ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 1 ، 2 ] ، كأنه قال : وحروف المعجم ، لهو الكتاب لا ريب فيه . و ألم ( 1 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 1 ، 2 ] ، أي وحروف المعجم لهو اللّه لا إله إلا هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ [ آل عمران : 2 ، 3 ] . و المص ( 1 ) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ الأعراف : 1 ، 2 ] ، أي وحروف المعجم ، لهو
--> ( 1 ) الرجز لأبي القمقام الأسدي في معاني القرآن للفراء 1 / 369 ، وتهذيب الألفاظ ص 447 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( فنك ) ، وتهذيب اللغة 10 / 281 ، وأساس البلاغة ( فنك ) ، وتاج العروس ( فنك ) ، وأمالي القالي 2 / 200 ، ومجمع البيان 1 / 33 ، وتفسير الطبري 1 / 68 .