ابن قتيبة الدينوري

18

تأويل مشكل القرآن

نجرا « 1 » واحدا ، لبخسه بهاءه ، وسلبه ماءه . ومثل ذلك الشّهاب من القبس نبرزه للشّعاع ، والكوكبان يقترنان ، فينقص النّوران ، والسّخاب « 2 » ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان ، ولا يجعل كلّه جنسا واحدا من الرفيع الثّمين ، ولا النّفيس المصون . وألفاظ العرب مبنية على ثمانية وعشرين حرفا ، وهي أقصى طوق اللّسان . وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين ولست واجدا في شيء من كلامهم حرفا ليس في حرفنا إلا معدولا عن مخرجه شيئا ، مثل الحرف المتوسط مخرجي القاف والكاف ، والحرف المتوسط مخرجي الفاء والباء . فهذه حال العرب في مباني ألفاظها . ولها الإعراب الذي جعله اللّه وشيا لكلامها ، وحلية لنظامها ، وفارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين ، والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول ، لا يفرّق بينهما ، إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكلّ واحد منهما - إلا بالإعراب . ولو أن قائلا قال : هذا قاتل أخي بالتنوين ، وقال آخر : هذا قاتل أخي بالإضافة - لدلّ التنوين على أنه لم يقتله ، ودلّ حذف التنوين على أنه قد قتله . ولو أن قارئا قرأ : فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 ) [ يس : 76 ] وترك طريق الابتداء بإنّا ، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب من ينصب ( أنّ ) بالقول كما ينصبها بالظن - لقلب المعنى عن جهته ، وأزاله عن طريقته ، وجعل النبيّ ، عليه السلام ، محزونا لقولهم : إنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون . وهذا كفر ممن تعمّده ، وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به ، ولا يجوز للمأمومين أن يتجوّزوا فيه . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم » « 3 » . فيمن رواه « حزما » أوجب ظاهر الكلام للقرشي ألا تقتل إن ارتد ، ولا يقتصّ منه إن قتل .

--> ( 1 ) النجر : اللون . ( 2 ) السخاب ، بالخاء المعجمة : كل قلادة كانت ذات جواهر ، أو لم تكن . ( 3 ) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 88 ، وأحمد في المسند 3 / 412 ، 4 / 213 ، والدارمي 2 / 198 ، والبيهقي في دلائل النبوة 5 / 79 ، والحميدي في مسنده 568 ، وابن أبي عاصم في السنة 2 / 638 ، وابن أبي شيبة في مصنفه 12 / 173 ، 14 / 490 ، والتبريزي في مشكاة المصابيح 5993 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 33804 ، 33885 ، 37985 .