ابن قتيبة الدينوري
179
تأويل مشكل القرآن
وتوعّد معاوية روح بن زنباع فاعتذر روح فقال معاوية خلّيا عنه « 1 » : إذا اللّه سنّى عقد شيء تيسّرا وقوله : سنّى : أي فتح . قالوا : وأدنى ما يكون الآمر والنّاهي بين الأعوان اثنان ، فجرى كلامهم على ذلك ، ووكّل اللّه ، عزّ وجل ، بكل عبد ملكين ، وأمر في الشهادة بشاهدين . ومنه أن يخاطب الواحد بلفظ الجميع : كقوله سبحانه : قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [ المؤمنون : 99 ] ، وأكثر من يخاطب بهذا الملوك ، لأنّ من مذاهبهم أن يقولوا : نحن فعلنا . بقوله الواحد منهم يعني نفسه ، فخوطبوا بمثل ألفاظهم . يقول اللّه عزّ وجل : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : 3 ] ، و إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) [ القمر : 49 ] . ومن هذا قوله عزّ وجل : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [ يونس : 83 ] ، وقوله : فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [ هود : 14 ] ، وقوله : فَأْتُوا بِآبائِنا [ الدخان : 36 ] . ومنه أن يتصل الكلام بما قبله حتى يكون كأنه قول واحد وهو قولان : نحو قوله : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً ، ثم قال : وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [ النمل : 34 ] ، وليس هذا من قولها ، وانقطع الكلام عند قوله : أَذِلَّةً ، ثم قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ . وقوله : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [ يوسف : 51 ] ، هذا قول المرأة ، ثم قال يوسف : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ يوسف : 52 ] ، أي ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيب . وقوله : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ، وانقطع الكلام ، ثم قالت الملائكة : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 52 ] .
--> ( 1 ) صدر البيت : فلا تيأسا واستغورا اللّه إنّه والبيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( غور ) ، ( سنا ) ، وتهذيب اللغة 13 / 78 ، وأساس البلاغة ( سنو ) ، ( غور ) ، وتاج العروس ( غور ) ، ( سنا ) ، والمعاني الكبير 1 / 74 ، وأمالي القالي 1 / 235 ، وتهذيب الألفاظ ص 77 .