ابن قتيبة الدينوري
150
تأويل مشكل القرآن
وقد يقول القائل في كلامه : واللّه لا أفعله ، ثم واللّه لا أفعله . إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله . كما يقول : واللّه أفعله ، بإضمار ( لا ) إذا أراد الاختصار . قال اللّه عزّ وجل : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) [ التكاثر : 3 ، 4 ] . وقال : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 6 ) [ الشرح : 5 ، 6 ] . وقال : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) [ القيامة : 34 ، 35 ] . وقال : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) [ الانفطار : 17 ، 18 ] كلّ هذا يراد به التأكيد للمعنى الذي كرّر به اللفظ . وقد يقول القائل للرجل : اعجل اعجل ، وللرامي : ارم ارم . وقال الشاعر « 1 » : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال الآخر « 2 » : هلّا سألت جموع كن * دة يوم ولّوا أين أينا وقال عوف بن الخرع « 3 » : وكادت فزارة تصلي بنا * فأولى فزارة أولى فزارا وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها ، واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة واحد ، فغيّروا منها حرفا ، ثم أتبعوها الأولى . كقولهم : ( عطشان نطشان ) كرهوا أن يقولوا : عطشان عطشان ، فأبدلوا من العين نونا . وكذلك قولهم : ( حسن بسن ) كرهوا أن يقولوا : حسن حسن ، فأبدلوا من الحاء باء . و ( شيطان ليطان ) في أشباه له كثيرة .
--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في أمالي المرتضى 1 / 84 ، وكتاب الصناعتين ص 193 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 177 . ( 2 ) تقدم البيت مع تخريجه ، وهو لعبيد بن الأبرص . ( 3 ) البيت من المتقارب ، وهو في المفضليات ص 416 ، ومعجم البلدان 3 / 305 ، والكتاب 1 / 331 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 194 ، وإعجاز القرآن ص 94 .