ابن قتيبة الدينوري

139

تأويل مشكل القرآن

بعثناهم ليسوءوا وجوهكم ، فحذفها ، لأنه قال قبل : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [ الإسراء : 5 ] . فاكتفى بالأول من الثاني ، إذ كان يدل عليه . وكذلك قوله : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ ق : 17 ] . فاكتفى بذكر الثاني من الأول . وقد يشكل الكلام ويغمض بالاختصار والإضمار . كقوله : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 8 ) [ فاطر : 8 ] . والمعنى : أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا ، ذهبت نفسك حسرة عليه ؟ ! فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فإن اللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء . وكقوله سبحانه : إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) [ النمل : 10 ، 11 ] لم يقع الاستثناء من المرسلين ، وإنما وقع من معنى مضمر في الكلام ، كأنه قال : لا يخاف لديّ المرسلون ، بل غيرهم الخائف ، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا يخاف . وهذا قول الفراء ، وهو يبعد : لأن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما يظهر ، وليس في ظاهر هذا الكلام - على هذا التأويل - دليل على باطنه . قال أبو محمد : والذي عندي فيه ، واللّه أعلم ، أنّ موسى عليه السلام ، لما خاف الثعبان وولّى ولم يعقّب ، قال اللّه عزّ وجل : يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [ النمل : 10 ] وعلم أن موسى مستشعر خيفة أخرى من ذنبه في الرّجل الّذي وكزه فقضى عليه ، فقال : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ [ النمل : 11 ] أي توبة وندما ، فإنه يخاف ، وإني غفور رحيم . وبعض النحويين يحمل ( إلّا من ظلم ) بمعنى : ولا من ظلم ، كقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [ البقرة : 150 ] . على مذهب من تأول هذا في ( إلّا ) : كقوله في سورة الأنفال ، بعد وصف المؤمنين : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [ الأنفال : 5 ] . ولم يشبّه قصة المؤمنين بإخراج اللّه إيّاه ، ولكن الكلام مردود إلى معنى في أول السورة ومحمول عليه ، وذلك : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، رأى يوم بدر قلّة المسلمين وكراهة كثير منهم للقتال ، فنفّل كلّ امرئ منهم ما أصاب ، وجعل لكل من قتل قتيلا كذا ، ولمن أتى بأسير كذا ، فكره ذلك قوم فتنازعوا واختلفوا وحاجّوا النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وجادلوه ، فأنزل اللّه سبحانه : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ : يجعلها لمن