ابن قتيبة الدينوري
106
تأويل مشكل القرآن
وهذه الآية نزلت في أهل مكة ، وكانوا آمنين بها لا يغار عليهم ، مطمئنين لا ينتجعون ولا يتنقّلون ، فأبدلهم اللّه بالأمن الخوف من سريا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبعوثه ، وبالكفاية الجوع سبع سنين ، حتى أكلوا القدّ والعظام . ولباس الجوع والخوف : ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضّمر والشّحوب ونهكة البدن ، وتغيّر الحال ، وكسوف البال . وقال في موضع آخر : وَلِباسُ التَّقْوى [ الأعراف : 26 ] ، أي ما ظهر عنه من السّكينة والإخبات والعمل الصالح ، وكما تقول : تعرّفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان ، وذقت بمعنى : تعرفت واللّباس : بمعنى سوء الأثر - كذلك تقول : ذقت لباس الجوع والخوف ، وأذاقني اللّه ذلك . ومنه قوله : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ( 1 ) [ المرسلات : 1 ] يعني الملائكة ، يريد : أنها متتابعة يتلو بعضها بعضا بما ترسل به من أمر اللّه عزّ وجل . وأصل هذا من عرف الفرس ، لأنه سطر مستو بعضه في إثر بعض . فاستعير للقوم يتبع بعضهم بعضا . ومنه يقول الناس : هم إليه عرف واحد ، إذا كثروا وتتابعوا في توجّههم إليه . ويقال : أرسلت بالعرف أي بالمعروف . ومنه قوله سبحانه : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ الأعراف : 182 ] والاستدراج : أن يدنيهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون ، ولا يباغتهم ولا يجاهرهم . ومنه يقال : درجت فلانا إلى كذا وكذا ، واستدرج فلانا حتى تعرف ما عنده وما صنع . يراد لا تجاهره ولا تهجم عليه بالسؤال ، ولكن استخرج ما عنده قليلا قليلا . وأصل هذا من الدّرجة ، وذلك أن الراقي فيها النازل منها ينزل مرقاة مرقاة ، فاستعير هذا منها . ومنه قوله سبحانه : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] أي يمسكون عن العطية . وأصل هذا : أن المعطي بيده يمدّها ويبسطها بالعطاء ، فقيل لكل من بخل ومنع : قد قبض يده . ومنه قوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا [ المائدة : 64 ] أي : ممسكة . ومنه قوله : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] : أي دنوا من الهلاك . وأصل