الشيخ محمد آصف المحسني
46
بحوث في علم الرجال
وأمّا القول الأخير ففيه : أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة إنّما هو في أمور نظريّة موقوفة على نوع تمارس وإعمال نظر ، وليس كلّ أحد يعرف ذلك والوثاقة ليست كذلك ، بل هي أمر حسّي واضح يعرفه كلّ أحد وليس السلف به بأعلم من الخلف . وبعبارة أخرى صدق الخبرويّة المصطلحة يتوقّف على حصول العلم من المقدّمات الحدسيّة والبعيدة عن الاحساس والمقام ليس كذلك ، فإنّ الوثاقة ؛ إمّا حسّية ؛ وأمّا قريبة من الحسّ ، ولذا تعرف وثاقة الثّقة زوجته وكلّ من باشره من الصغار والنسوان ، ولا يكونون أهل الخبرة عرفا . ثمّ إن المتيّقن من الرجوع إلى أهل الخبرة إنّما هو فيما إذا كان يوجب الوثوق والاطمئنان ، كما ذكره صاحب الكفاية وأشار إليه المامقاني سابقا ، وهو في المقام غير حاصل ، ولكنّه يندفع بأنّه إن أريد الوثوق الشّخصي فهو غير لازم وإن أريد النّوعي فهو حاصل إلّا في توثيقات المتأخّرين كالعلّامة وأمثاله لأصحاب الأئمّة عليهم السّلام ، فإنّه لا يحصل الوثوق النّوعي منها ، فتأمّل . وأمّا ما ذكره الفاضل المذكور من عدم كون العدالة حسّية فاستنتج منه دخول الإخبار بها في أخبار أهل الخبرة لا في مطلق الإخبار المأخوذ فيها الحسّ ففيه إيرادان : الأوّل : عدم اعتبار العدالة في حجيّة الخبر حتّى على مبناه ، بل المعتبر فيها هو التحرّز عن الكذب ، فقط . الثّاني : إنّ العدالة وإن لم تكن حسّية إلّا أنّها قريبة من الحسّ ببروز آثارها المحسوسة وحال هذه الحدسيّات غير المحسوسة القريبة من الحسّ حال الموضوعات الحسيّة في إثباتها بخبر الواحد ببناء العقلاء . إذا عرفت هذا ، فنقول في إثبات المختار وهو المقام الثّاني : إنّه لا شكّ في بناء العقلاء على قبول خبر الثّقة في أحكامهم الكليّة العرفيّة والموضوعات الخارجيّة ، وفي جميع أمورهم حتّى الخطيرة والشّارع المقدّس لم يردع عنه فيكون ممضيّا معتبرا ، بل وردت الإخبار الكثيرة بحجّيته في الأحكام الشّرعيّة الكليّة ووردت الإخبار المعتبرة بحجّيته في بعض الموضوعات الخارجيّة للأحكام الجزئية « 1 » ، وفي بعضها الآخر مع اعتبار التعدّد .
--> ( 1 ) . كصحيح هشام عن الصّادق عليه السّلام في رجل وكّل آخرا : والوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه ( فهه ) بالعزل عن الوكالة : انظر : الوسائل : 13 / 286 . وصحيح حفص عنه عليه السّلام في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول : إنّي لم أطاها . فقال : إن وثق به فلا بأس أن