الميرزا جواد التبريزي

6

الموسوعة الرجالية

البروجردي قدّس سرّه فقها وأصولا لمدة سبع سنين ، وهي مدة إقامته في قم المقدسة . وبدأ خلال هذه المدة بتدريس المقدمات وكتاب اللمعة والمعالم والقوانين . انقضت سبع سنين ، والميرزا على هذا النهج حتى شرّفه اللّه تعالى بتلك النفحة القدسية والجنبة الروحية ، فصار مجتهدا قادرا على استنباط الأحكام الشرعية ، هذا وهو في العقد الثالث من عمره الشريف ، إذ كان عمره آنذاك ستة وعشرين سنة ، إلا أنه كان يتطلع للأرقى ويطلب المزيد ، فهو مصداق طالب العلم الذي لا يمل ولا يكل ، فكانت تسيطر عليه الرغبة في الهجرة إلى النجف الأشرف . الهجرة إلى النجف الأشرف وكانت هجرته من قم إلى النجف في حدود سنة ( 1371 ه ) ، ويذكر قدّس سرّه أنّه بعد وصوله إلى النجف الأشرف ذهب إلى درس أستاذ الفقهاء والمجتهدين السيد الخوئي رحمه اللّه ، وكان السيد يلقي بحثا في الأصول بعد صلاة المغرب والعشاء في مسجده الذي يقيم فيه صلاة الجماعة ، والمعروف بمسجد الخضراء ، وكان البحث في تلك الجلسة عن أنه هل يجب الفحص في الشبهات الموضوعية أم لا ؟ وقد اختار السيد قدّس سرّه ما هو المعروف من عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية . إلا أن السيد قدّس سرّه تمسك لعدم وجوب الفحص - إضافة لأدلة أخرى - بصحيحة زرارة ، والمعروفة بمضمرة زرارة في الاستصحاب ، والتي لا يضرها الإضمار لما ذكر الأستاذ من أنه يفهم من خلال تفريعاتها ومتنها وتدقيق زرارة في السؤال واهتمامه به وكذلك دقة الأجوبة أنّ المخاطب بقوله « قلت له » هو الإمام ، والظاهر أنه الإمام الباقر عليه السّلام ، يقول : « قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف . . . » إلى أن يقول : « قلت : فهل علي إن شككت أنه أصابه شيء أن أنظر فيه ؟ قال : لا » الحديث . فالسيد قدّس سرّه استدل بهذه الرواية على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية ، وبالفقرة الأخيرة « قوله : علي أن أنظر فيه ؟ قال : لا » . وفي اليوم التالي ذهب الأستاذ إلى بيت السيد الخوئي قدّس سرّه ودخل عليه ، يقول : « فوجدته جالسا فسلمت وجلست ، وقلت له : سيدنا إن ما تفضلتم به البارحة من أنه لا يجب الفحص في الشبهات الموضوعية صحيح ، ولكن استدلالكم بصحيحة زرارة غير تام ، وذلك لأن النجاسة في الثوب على فرض ثبوتها مانع علمي لا واقعي ، فمتى علم بنجاسته لا يجوز الصلاة فيه مثلا ، ولذا أجاب الإمام عليه السّلام زرارة عند سؤاله عن الفحص في الثوب « هل يجب ؟ قال : لا » إذ لا يجب تحصيل العلم المحقق للمانعية ، وكلامنا - والحديث للشيخ قدّس سرّه - إنما هو في الشبهات الموضوعية الواقعية ، علمت أم لم تعلم ، وأنه هل يجب الفحص فيها أم لا ؟ » . يقول : « فلما سمع مني السيد قدّس سرّه ذلك قبل » ، وقال لي : « أحسنت ، الحق معك » . ثم إنّ الميرزا التبريزي قدّس سرّه بقي مواصلا للبحث في النجف وأخذ اسمه يزداد شهرة بالفضل ، وأخذت حلقة درسه تتسع وهو مع ذلك ملازم لدرس السيد الخوئي رحمه اللّه فقها وأصولا حتى طلب السيد منه حضور جلسة الاستفتاء ، فحضر وكان له الحظ الأوفر من البحث والمناقشة وقد أطلق عليه السيد الخوئي رحمه اللّه لقب الميرزا فاشتهر به . وقد لازم درس السيد الخوئي رحمه اللّه تسع سنين ومجلس استفتائه أكثر من عشرين سنة ، ولما توفي السيد الحكيم رحمه اللّه وأراد السيد الخوئي رحمه اللّه أن يطبع حاشيته على رسالة السيد الحكيم ( المنهاج ) ، دفع الحاشية لفضلاء تلاميذه ومنهم الميرزا رحمه اللّه لمطالعتها ومعرفة أنها موافقة لمباني السيد أم لا . وكان السيد الخوئي رحمه اللّه مهتما بحضور الميرزا رحمه اللّه لمجلس استفتائه وبقائه في النجف . ثم إن الشيخ قدّس سرّه بقي في النجف مواصلا لتدريسه واشتغاله العلمي حتى انتقل بدرسه إلى مسجد الخضراء ، فكان يرقى منبر أستاذه السيد الخوئي رحمه اللّه ويلقي درسه بالكفاية وغيرها من كتب السطح . وبعد وفاة السيد الحكيم رحمه اللّه بعام شرع الأستاذ في تدريس الخارج فقها على مكاسب الشيخ رحمه اللّه ، والأصول على كفاية الآخوند الخراساني ، وقد بارك له أستاذه السيد الخوئي رحمه اللّه ذلك . وكان يقول عن الميرزا جواد التبريزي رحمه اللّه : « إنه فاضل مجتهد مطلق » .