الحاج ملاعلي العلياري التبريزي

438

بهجة الآمال في شرح زبدة المقال

الجنادل في الثرى ، وخلت منهم المنازل والقرى ، قد صارت عابسة بعد نظرتها والعظام نخرة بعد قوتها ، تجر عليهم الرياح بذيولها ، وتصب عليهم السماء بسيولها . ثم إنه بكى وجعل يقول : تناديك اجداث وهن صموت * وأربابها تحت التراب خفوت فيا جامع الدنيا حريصا لغيره * لمن تجمع الدنيا وأنت تموت قال الفضيل : وإذا بهاتف يسمع كلامه ولا يرى شخصه ، وهو يقول : ملوا الأحبة زورتى فجفيت * فسكنت في دار البلاء ونسيت وكذلك ينسى كل من سكن الثرى * وتمل الزوار حين يموت قال الفضيل : فوقع بهلول مغشيا عليه ، فتركت وانصرفت . وحكى عن الفضل بن الربيع قال حججت مع هارون الرشيد ، فلما صرنا بالكوفة وكنا في طاق المحامل ، إذا نحن ببهلول المجنون قاعد يلعب بالتراب ، فابتدر اليه الخدم فتردوه فأسرعت اليه وقلت هذا أمير المؤمنين قد أقبل . فلما حاذاه الهودج قام قائما وقال : يا أمير المؤمنين حدثني أيمن بن نابل ، قال : حدثني قدامة بن عبد اللّه قال : رايت النبي صلّى اللّه عليه واله بمنى على جمل أحمر تحته رجل رثّ ولم يكن ضرب ولا طرد . فقلت : يا أمير المؤمنين انه بهلول المجنون قاعد يلعب بالتراب ، قال : قد عرفت ، قال قل وأوجز ؟ ! فقال : هب انك قد ملكت الأرض طرا * ودان لك العباد فكان ماذا ألست تصير في قبر وتحثو * عليك ترابه هذا وهذا فقال : أجدت ، قل وأوجز ! ، قال : يا أمير المؤمنين من رزقه اللّه مالا وجمالا فعف في جماله وواسى من ماله ، كتب عند اللّه في ديوان الأبرار . فظن هارون أن عليه دينا ، فقال : قد أمرنا ان يقضى عليك دينك ، قال : لا تفعل يا أمير المؤمنين لا يقضى دين بدين أردد الحق إلى أهله ، فجميع ما يديك