سميرة مختار الليثي

57

جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول

الشّام فلا يعرفون غير معاوية وطاعة بنيّ أميّة وعداوة راسخة وجهل متراكم ، وأمّا مكّة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر وعمر . ولكن عليكم بخراسان فإنّ هناك العدد الكثير والجلد الظّاهر ، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ، ولم تتوزعها النّحل ، وهم جند لهم أجسام وأبدان ومناكب ، وكواهل ، وهامات ولحى وشوراب ، وأصوات هائلة ، ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة . وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدّنيا ومصباح الخلق « 1 » . اتّخذ العبّاسيون خراسان مركزا للدّعوة العبّاسيّة ، دون بلاد العراق ، لأنّ العراق كانت قريبة من مركز الخلافة بالشّام ، إلى جانب تعدد أحزاب العراق من شيعة إلى خوارج إلى معتزلة إلى مرجئة وغير ذلك ، فضلا عن وجود جيوش الشّام ورجالات بنيّ أميّة ووجوه العرب في حواضر العراق ، وكان الولاة الأمويون في العراق يتتبّعون دائما الدّعاة العبّاسيّين بالحبس والتّعذيب والإيذاء « 2 » ، بينما خراسان تقع في الأطراف البعيدة ، وأغلب سكّانها من الموالي السّاخطين على الحكم الأموي ، وبها أقلية من العرب فرقت العصبية القبلية شملهم . وشاءت المقادير أن تخدم الدّعوة العبّاسيّة ، فقد تولى الخلافة الأمويّة عمر بن عبد العزيز ( 99 ه ) ، وتميز بالعدل والتّقوى وحبّ السّلام ، فمنع سبّ عليّ بن أبي طالب من فوق المنابر « 3 » ، وأطلق حرّية التّنقل للهاشميّين ، علويّين وعباسيّين ، ومنع المظالم والإضطهادات التّي كانت تلحق بهم طوال العصر

--> ( 1 ) انظر ، المقدسي ، أحسن التّقاسيم في معرفة الأقاليم : 3 / 293 - 294 . ( 2 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 8 / 283 . ( 3 ) انظر ، العمري ، المجدي في أنساب الطّالبين : 94 - بدأ معاوية بن أبي سفيان سياسة سبّ عليّ بن أبي طالب من فوق المنابر واستمرت في عصور سائر الخلفاء الأمويّين .