سميرة مختار الليثي
480
جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول
--> هذا كتاب كتبه عبد اللّه بن هارون الرّشيد أمير المؤمنين لعليّ بن موسى بن جعفر وليّ عهده . أمّا بعد ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ اصطفى الإسلام دينا ، واصطفى له من عباده رسلا دالّين عليه وهادين إليه ، يبشّر أوّلهم بآخرهم ، ويصدّق تاليهم ماضيهم ، حتّى انتهت نبوّة اللّه إلى محمّد صلّى اللّه عليه وآله على فترة من الرّسل ، ودروس من العلم ، وانقطاع من الوحي ، واقتراب من السّاعة . فختم اللّه به النّبيّين وجعله شاهدا لهم ومهيمنا عليهم ، وأنزل عليه كتابه العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، بما أحلّ وحرّم ، ووعد وأوعد ، وحذّر وأنذر ، وأمر به ونهى عنه ، لتكون له الحجّة البالغة على خلقه ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة ، وإنّ اللّه لسميع عليم . فبلّغ عن اللّه رسالته ، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالّتي هي أحسن ، ثمّ بالجهاد والغلظة ، حتّى قبضه اللّه إليه ، واختار له ما عنده . فلمّا انقضت النّبوّة وختم اللّه بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله الوحي والرّسالة جعل قوام الدّين ونظام أمر المسلمين بالخلافة ، وإتمامها وعزّها والقيام بحقّ اللّه تعالى فيها بالطاعة الّتي بها تقام فرائض اللّه وحدوده ، وشرائع الإسلام وسننه ، ويجاهد بها عدوّه . فعلى خلفاء اللّه طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده ، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حقّ اللّه وعدله وأمن السّبيل وحقن الدّماء وصلاح ذات البين وجمع الألفة . وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم واختلاف ملّتهم وقهر دينهم واستعلاء عدوّهم وتفرّق الكلمة وخسران الدّنيا والآخرة . فحقّ على من استخلفه اللّه في أرضه وائتمنه على خلقه أن يجهد للّه نفسه ويؤثر ما فيه رضا اللّه وطاعته ، ويعتدّ لما اللّه موافقه عليه ومسائله عنه ، ويحكم بالحقّ ، ويعمل بالعدل فيما حمّله اللّه وقلّده ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول لنبيّه داود عليه السّلام : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ . سورة ص : 26 . وقال اللّه تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ . الحجر : 92 - 93 . وبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب قال : لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوّفت أن يسألني اللّه عنها ، وأيم اللّه إنّ المسؤول عن خاصّة نفسه الموقوف على عمله فيما بينه وبين اللّه ليعرض على أمر كبير -