سميرة مختار الليثي

293

جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول

الفقيه خير من يقدّر العلماء الفقهاء . فضلا عن انتساب العلويّين إلى آل الرّسول صلّى اللّه عليه وآله . كما كان أبو حنيفة راثيا للعلويّين ما لاقوه من اضطهاد العبّاسيّين لهم . وخير دليل نسوقه ، هو رأي أبي حنيفة في أبي بكر وعمر ، فقد كان يضعهما في المكان قبل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، وكان أبو حنيفة يقدر أبا بكر تقديرا فائقا ، بل أراد أن يتشبه به في سخائه وفي اشتغاله بالتّجارة « 1 » ، ويجعل أبو حنيفة عمر بعد أبي بكر . ولكنّه يقدم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام على عثمان بن عفّان ، وإن كان يذكر عثمان دائما بالخير ويترحم عليه ولا يذكره بسوء مطلقا « 2 » . ولم يرض كثير من الشّيعة والعلويّين ، وخاصّة الإمام محمّد الباقر ، عن آراء أبي حنيفة في أبي بكر وعمر وعثمان « 3 » . وإن كانت الشّيعة الزّيديّة أبدت رضاها عن هذه الآراء ، فهم من يعترفون بصحة خلافة أبي بكر وعمر . وفي الحقيقة ، لم يقصر أبو حنيفة اتّصاله بفرق الشّيعة على فرقة واحدة منها ، بل كان على صلات ، ذات أبعاد مختلفة ، مع الشّيعة الكيسانيّة ، والإماميّة ، والزّيديّة . ولأبي حنيفة رأي خاصّ به في إختيار الخليفة ، يختلف عن آراء الشّيعة وسائر الفرق ، وعبّر الإمام عن رأيه بصراحة في مواجهة الخليفة المنصور حين سأله عن رأيه في خلافته ، فقد قال أبو حنيفة : « المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب إن أنت نصحت لنفسك علمت أنّك لم ترد اللّه بإجتماعنا ، فإنّما أردت أن تعلم العامّة أنّا نقول فيك ما تهواه مخافة منك ، ولقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك اثنان من أهل الفتوى ، والخلافة تكون باجتماع المؤمنين ومشورتهم » « 4 » .

--> ( 1 ) كان لأبي بكر حانوت بزّ في مكّة ، وكان لأبي حنيفة حانوت بزّ أيضا في الكوفة . ( 2 ) انظر ، الموفق المكي ، مناقب أبي حنيفة : 1 / 82 ، الخطيب البغدادي ، تأريخ بغداد : 13 / 331 . ( 3 ) انظر ، الموفق المكي ، مناقب أبي حنيفة : 2 / 165 . ( 4 ) دعا الرّبيع بن يونس حاجب المنصور الإمام مالك ، وابن أبي ذؤيب ، وأبا حنيفة للمثول بين يدي