سميرة مختار الليثي

256

جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول

المنصور من جعفر إذ طالبه بذلك وصاح فيه : إيّاي تكلم بهذا الكلام ؟ . ثمّ قال : قد رأيت أطباق أهل المدينة على حبّي ، وقد همّمت أن أبعث إليهم من يغور عليهم ويحجر نخلهم . وواجه الإمام جعفر هذا التّهديد والوعيد بالهدوء والحلم ، وتوجّه بالنّصحية إلى المنصور ، فقال : يا أمير المؤمنين أنّ سليمان أعطى فشكر ، وأنّ أيوب ابتلي فصبر ، وأنّ يوسف قدر فغفر ، فاقتد بأيّهم شئت ، وقد جعلك اللّه من نسل الّذين يعفون ويصفحون « 1 » . لقد كان الإمام جعفر الصّادق ، شجاعا في الحقّ ، لا يتملق ، ولا يداهن فلم يفعل ما كان يفعله غيره من التّردد على الخليفة المنصور ، فاستدعاه المنصور إليه يوما وعاتبه على قطيعته له وقال : لم لا تغشانا كما يغشانا النّاس ؟ . فأجاب جعفر : ليس لنا من أمر الدّنيا ما نخافك عليه ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوه منك ، ولا أنت في نعمة نهنئك بها ، ولا في نقمة فنعزيك . فقال المنصور : تصحبنا لتصلحنا . فقال جعفر : من يريد الدّنيا لا ينصحك ، ومن يريد الآخرة لا يصحبك « 2 » . وبعد إخفاق ثورة إبراهيم بن عبد اللّه في البصرة ، وبعد مصرعه ، أمر المنصور بترحيل بنيّ الحسن إلى العراق ، كما أمر بأن يصحبهم الإمام جعفر الصّادق ، وروى جعفر هذه الأحداث فقال : « لمّا قتل إبراهيم بن عبد اللّه بباخمرى صرنا عن المدينة ، ولم يترك فيها منّا محتلم ، حتّى قدمنا الكوفة ، فمكثنا فيها شهرا نتوقع فيها القتل ، ثمّ خرج إلينا الرّبيع الحاجب فقال : أين هؤلاء العلوية ؟ .

--> ( 1 ) انظر ، الحصري ، زهر الآداب : 1 / 123 ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 351 . ( 2 ) انظر ، ابن خلّكان ، وفيّات الأعيان : 112 - 113 ، مستدرك وسائل الشّيعة : 12 / 307 ح 1 ، بحار الأنوار : 47 / 184 ح 29 ، كشف الغمّة : 2 / 427 .