علي الأحمدي الميانجي

29

مكاتيب الأئمة ( ع )

عَمَّا يَدِينُ بِهِ أَهلُ التَّفوِيضِ عُلُوَّاً كَبِيرَاً . لَكِن نَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَ الخَلقَ بِقُدرَتِهِ ، وَمَلَّكَهُم استِطَاعَةً تَعَبَّدَهُم بِهَا ، فَأَمَرَهُم وَنَهَاهُم بِمَا أَرَادَ ، فَقَبِلَ مِنهُمُ اتِّباعَ أَمرِهِ ، وَرَضِيَ بِذَلِكَ لَهُم ، وَنَهَاهُم عَن مَعصِيَتِهِ ، وَذَمَّ مَن عَصَاهُ وَعَاقَبَهُ عَلَيهَا ، وَللَّهِ الخِيَرَةُ فِي الأَمرِ وَالنَّهيِ ، يَختارُ مَا يُريدُ وَيَأمُرُ بِهِ ، وَيَنهَى عَمَّا يَكرَهُ وَيُعَاقِبُ عَلَيهِ ، بِالاستِطَاعَةِ الَّتِي مَلَّكَها عِبادَهُ لِاتِّباعِ أَمرِهِ ، وَاجتِنابِ مَعَاصِيهِ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ العَدلِ وَالنَّصَفَةِ وَالحِكمَةِ البَالِغَةِ ؛ بَالَغَ الحُجَّةَ بِالإِعذَارِ وَالإِنذَارِ ، وَإلَيهِ الصَّفوَةُ ، يَصطَفِي مِن عِبَادِهِ مَن يَشَاءُ لِتَبلِيغِ رِسَالَتِهِ وَاحتِجَاجِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، اصطَفَى مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وَبَعَثَهُ بِرِسَالاتِهِ إِلَى خَلقِهِ ، فَقَالَ مَن قَالَ مِن كُفَّارِ قَومِهِ حَسَدَاً وَاستِكبَارَاً : « لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » « 1 » ، يَعنِي بِذَلِكَ أُمَيَّةَ بنَ أَبِي الصَّلتِ ، وَأَبَا مَسعُودٍ الثَّقَفِيَّ « 2 » ، فَأَبطَلَ اللَّهُ اختِيارَهُم ، وَلَم

--> ( 1 ) . الزخرف : 31 . ( 2 ) . كذا في الاحتجاج ، ولكنّ الظاهر أنّ المراد بالرجل العظيم هو الّذي كان من إحدى القريتين ، كالوليد بن المغيرةمن مكّة ، وأبي مسعود الثقفيّ من الطائف ، فليس اميّة بن أبي الصلت وأبو مسعود الثقفي من القريتين ؛ لأنّهما كانا من أهل الطائف ، فيكون كلاهما مثالًا للرّجل العظيم الّذي كان من إحدى القريتين ، أي : الطائف ، لا من القريتين ، يعنى مكّة والطائف . فعلى أيّ نحوٍ كان ، فالرجلان كانا عظيمي القدر عند قومهما وذوي الأموال الجسيمة فيهما ، فزعموا أنّ من كان كذلك أولى بالنبوّة من غيره . وكان الوليد بن المغيرة عمّ أبي جهل ، كان شيخاً كبيراً مجرّباً من دهاة العرب ، يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الأشعار ، فما اختاره من الشعر كان مختاراً ، وكان له عبيد عشرة عند كلّ عبد ألف دينار يتّجر بها وملك القنطار ، أيجلد ثور مملوّ ذهباً . كان الوليد أحد المستهزئين الخمس الّذين كفى اللَّه شرّهم ، وهو الّذي جاء قريش عنده فقالوا له : يا عبد شمس ، ما هذا الّذي يقول محمّد ، أسحر أم كهانة أم خطب ؟ فقال : دعوني أسمع كلامه . فدنا من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهو جالس في الحجر ، فقال : يا محمّد أنشدني شعرك ؟ فقال : ما هو بشعر ، ولكنّه كلام اللَّه الّذي به بعث أنبياءه ورسله ، فقال : أتل ، فقرأ : « بسم الله الرحمن الرحيم » . فلمّا سمع الرحمن استهزأ منه وقال : تدعو إلى رجل باليمامة ، يُسمّى الرحمن ؟ قال : لا ، ولكنّي ادعو إلى اللَّه وهو الرحمن الرحيم ، ثمّ افتتح حم السجدة ، فلمّا بلغ إلى قوله : « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ » ( فصلت : 13 ) ، اقشعرّ جلده ، وقامت كلّ شعرة في بدنه ، وقام ومشى إلى بيته ، ولم يرجع إلى قريش ، فقيل : صبا عبد شمس إلى دين محمّد ، فاغتمّت قريش ، وغدا عليه أبو جهل فقال : فضحتنا يا عمّ ، قال : يا ابن -