محمد الريشهري
677
نهج الدعاء
زَرافَةُ ، ما ناقَةُ صالِحٍ عِندَ اللَّهِ بِأَكرَمَ مِنّي - أو قالَ عليه السلام : بِأَعظَمَ قَدراً مِنّي - ! ولَم أزَل اسائِلُهُ وأستَفيدُ مِنهُ واحادِثُهُ إلى أن نَزَلَ المُتَوَكِّلُ مِنَ الرُّكوبِ ، وأمَرَ النّاسَ بِالانصِرافِ ، فَقُدِّمَت إلَيهِم دَوابُّهُم فَرَكِبوا إلى مَنازِلِهِم ، وقُدِّمَت بَغلَةٌ لَهُ عليه السلام فَرَكِبَها . فَرَكِبتُ مَعَهُ إلى دارِهِ ، فَنَزَلَ عليه السلام ووَدَّعتُهُ وَانصَرَفتُ إلى داري . ولِوَلَدي مُؤَدِّبٍ يَتَشَيَّعُ مِن أهلِ العِلمِ وَالفَضلِ ، وكانَت لي عادَةٌ بِإِحضارِهِ عِندَ الطَّعامِ ، فَحَضَرَ عِندَ ذلِكَ ، وتَجارَينَا الحَديثَ وما جَرى مِن رُكوبِ المُتَوَكِّلِ وَالفَتحِ ، ومَشيِ الأَشرافِ وذَوِي الاقتِدارِ بَينَ أيديهِما . وذَكَرتُ لَهُ ما شاهَدتُهُ مِن أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام ، وما سَمِعتُهُ مِن قَولِهِ عليه السلام : ما ناقَةُ صالِحٍ عِندَ اللَّهِ « 1 » بِأَعظَمَ قَدراً مِنّي ! وكانَ المُؤَدِّبُ يَأكُلُ مَعي ، فَرَفَعَ يَدَهُ وقالَ : بِاللَّهِ إنَّكَ سَمِعتَ هذَا اللَّفظَ مِنهُ ؟ ! فَقُلتُ لَهُ : وَاللَّهِ سَمِعتُهُ يَقولُ . فَقالَ لي : اعلَم أنَّ المُتَوَكِّلَ لا يَبقى في مَملَكَتِهِ أكثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ ويَهلِكُ ، فَانظُر في أمرِكَ ، وأحرِز ما تُريدُ إحرازَهُ ، وتَأَهَّب لِأَمرِكَ كَي لا يَفجَأَكُم هَلاكُ هذَا الرَّجُلِ ، فَتَهلِكَ أموالُكُم بِحادِثَةٍ تَحدُثُ أو سَبَبٍ يَجري . فَقُلتُ لَهُ : مِن أينَ لَكَ ؟ فَقالَ : أما قَرَأتَ القُرآنَ في قِصَّةِ صالِحٍ عليه السلام وَالنّاقَةِ ؟ وقَولِهِ تَعالى : « تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ » « 2 » ؟ ! ولا يَجوزُ أن يَبطُلَ قَولُ الإِمامِ عليه السلام . قالَ زَرافَةُ : فَوَاللَّهِ ما جاءَ اليَومُ الثّالِثُ حَتّى هَجَمَ المُنتَصِرُ ومَعَهُ بغا ووَصيفٌ وَالأَتراكُ عَلَى المُتَوَكِّلِ ، فَقَتَلوهُ وقَطَّعوهُ وَالفَتحَ بنَ خاقانَ جَميعاً قِطَعاً ، حَتّى لَم يُعرَف أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ، وأزالَ اللَّهُ نِعمَتَهُ ومَملَكَتَهُ .
--> ( 1 ) . في المصدر : « عندي » ، والتصويب من بحار الأنوار . ( 2 ) . هود : 65 .