محمد الريشهري

254

موسوعة معارف الكتاب والسنة

ولا يمكن ذكر كلام أسمى من ذلك في بيان قدسية الأُسرة ، حيث يشير إلى أنّ منظومة الأُسرة تمثّل البنية التحتية والأساس لجميع المنظومات الهامّة في الإسلام . وتكمن حكمة القدسية الّتي أولاها الإسلام للأُسرة في إضفاء القيمة المعنوية على الرابطة الأُسرية ، إعداد الأرضية لتعزيز هذه الرابطة والحيلولة دون انهيارها . وتعدّ قدسية الأُسرة ، سدّاً منيعاً أمام استغلال المرأة جنسياً باعتبارها بضاعة أو وسيلة لبيع البضائع ، وهو يحول في الحقيقة دون الاستعباد الجديد للمرأة . تجريد الأُسرة من قدسيتها يتمثّل الخطر الّذي يهدّد البشرية في العصر الحاضر في محاولة تجريد الأُسرة من قدسيتها ، فالقوى الاستكبارية والاستثمارية الّتي ترى في قدسية الأُسرة عاقبة رئيسة أمام مطامعها ومطالبها غير المشروعة ، تسعى بكلّ جهد لإيجاد الأرضية الثقافية المناسبة لتجريد الأُسرة عن قدسيتها . إنّ السعي من أجل الاعتراف بالأُسر المثلية « 1 » والأزواج الذين يعيشون تحت سقفٍ واحد « 2 » والأُسرة المشتركة والمشاعة « 3 » ، وكذلك السعي من أجل إعداد الأرضية

--> ( 1 ) . اعترفت بعض البلدان الغربية في الوقت الحاضر وعدد من الولايات الأمريكية بزواج المثيلين ( راجع : إسلام وجامعه شناسي خانواده « بالفارسية » : ص 64 ) . ( 2 ) . الزوجان اللذان يعيشان تحت سقفٍ واحد هما الرجل والمرأة اللذان يعيشان في بيتٍ واحد وتر بطهما العلاقات الجنسية ، ولكن لا يربطهما عقد زواج ، ومثل هؤلاء الأزواج الذين يكثر عددهم في أمريكا وأوروبا وأستراليا واليابان ، يسعون لأن يتمّ الاعتراف بهم رسمياً ( راجع : جامعه شناسي ، آنتوني غيدنز : ص 452 وما بعدها ) . ( 3 ) . تمثّل الأُسرة الاشتراكية ، أُسراً جماعية لا تتميّز بعنصر الخصوصية رغم التخالف الجنسي ، فالمجموعة كلّها تعتبر أُسرة واحدة . ولذلك ، فإنّ جميع النساء يعتبرن زوجات جميع الرجال ، وجميع الرجال أزواج كلّ النساء ، كما أنّ الأولاد هم أولاد المجموعة ، وتقع مسؤولية العناية بهم على عاتق الجميع . وقد ظهرت هذه الأُسر الاشتراكية ( Commnntites ) تدريجياً منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي فصاعداً ، ومن الستّينات من القرن العشرين مؤخّراً ، تحت تأثير بعض الآراء المتطرّفة ، كبديل عن الأُسرة ، واجتذبت بعض المؤيّدين من بين الشباب الغربيّين . وقد كانت هذه التجمّعات الاشتراكية تشتمل على عدد من الرجال والنساء الذين تربطهم العلاقات الجنسية مع بعضهم البعض ، ويعدّ نمط حياتهم ، من وجهة نظر المنظّرين لهم ، نوعاً من العودة إلى الطبيعة وإحياء المجتمعات الاشتراكية البدائية في عصر ما قبل التاريخ . وقد كان رفض أيّ نوع من التسلّط والهيمنة في العلاقات بين المرأة والرجل وإلغاء الشعور بالملكية والتنافس ، من الدوافع الرئيسة لمعارضة هذه المجموعات لتنظيم الأُسرة وميلهم إلى هذا النمط الجديد . كما ظهرت مثل هذه المجاميع في فلسطين المحتلّة بدوافع مشابهة ، وكبديل عن نموذج الأُسرة الخاصّة والقائمة على الأُمومة ، والّتي كانت شائعة في المجتمع اليهودي التقليدي . إلّا أنّ أهمّية هذه المجاميع وقيمتها ما لبثتا أن زالتا ؛ ذلك لأنّ هذا النموذج لم يحقّق نجاحاً كبيراً في بلوغ الأهداف المرجوّة . ونحن نلاحظ في العقدين الأخيرين حركة تدريجية باتّجاه قبول النظم والخصائص البنيوية للأُسرة التقليدية في هذه التجمّعات الاشتراكية والإباحية .